يقول بعض الصوفية: إن الشرك لن يرجع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والله ما أخاف عليكم أن تشركوا، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها»، فما توجيهكم؟


يقول بعض الصوفية: إن الشرك لن يرجع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والله ما أخاف عليكم أن تشركوا، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها»، ما معنى هذا الحديث؟ وما توجيهه؟

 

يُقَالُ جوابًا على هذا السؤال: هذا الحديث كما ذكر السائل تمسك به بعض الصوفية كالضال المضل الجفري وغيره، وقالوا: إن الشرك لن يعود في المسلمين، وهذا من الخطأ والضلال الذي لا يصح الالتفات إليه لأسباب:

– السبب الأول: أن الأحاديث كثيرة في أن الشرك سيعود، ومن ذلك ما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب آليات نساء الدوس حول ذي الخَلَصة» والحديث أخرجه الشيخان، وذو الخلصة موجود في جنوب المملكة العربية السعودية.

ومن ذلك أيضًا ما أخرج مسلم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبَد اللات والعُزَّى»، هذا السبب الأول.

– أما السبب الثاني: فالشريعة حذَّرت من الشرك كثيًرا بطرق مختلفة مما يدل على خطورته على بعض المسلمين وإلا لما حذَّرت منه الشريعة.

– السبب الثالث: لم أرَ أحدًا من أهل العلم قال: إن الشرك لن يعود، بل العلماء على خلاف ذلك، وكلامهم كثير في باب حكم المرتد في كتب المذاهب الأربعة، وأن الرجل قد يكفر بعد إسلامه، وقد يرتد بالشرك، فلذا هذا القول قول باطل لا يصح التعويل عليه.

إذا تبين أن هذا قول خطأ، إذًا ما توجيه الحديث الذي تقدم ذكره، والذي سأل عنه السائل: «والله ما أخاف عليكم أن تشركوا»؟

هذا الحديث للعلماء في توجيهه أقوال، منهم من قال:

– أن المراد به الصحابة، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخاف على الصحابة الشرك الأكبر لرسوخ التوحيد في قلوبهم، وإنما يخشى عليهم من الدنيا، وهذا الجواب ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في موضع من شرح البخاري، وذكره الشيخ محمد بن العثيمين في شرحه على كتاب “رياض الصالحين”.

– والجواب الثاني: أن المراد بالحديث جميع الأمة، فإن جميع الأمة لا تكفر، ولا تشرك بعد إسلامها؛ لأنه «لا تزال طائفة على الحق ظاهرين»، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة وغيره.

فإذًا المراد إجماع الأمة، أي: أن الأمة لن ترجع جميعًا إلى الشرك، وقد ذكر هذا الجواب النووي في “شرحه على مسلم”، والحافظ ابن حجر أيضًا في موضع من شرح البخاري، وذكره العيني في شرحه على البخاري، وعلي القاري في شرحه على “كتاب الشفاء”، وذكره غير واحد من أهل العلم.

فإذًا بهذا يتبين أن الحديث لا يفيد أن المسلمين لا يشركون بعد توحيدهم، وقد تقدم بيان ذلك.

ولا يستغرب من الصوفية كالجفري وغيره أن يقولوا في مثل هذا، فإنهم قد ضلُّوا وأشركوا في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فضلاً عن أن يقولوا مثل هذا.