هل عقيدة الولاء والبراء خاصة بالتعاون مع الكفار؟ أم تجب البراءة من أهل البدع كذلك؟


يقول السائل: هل عقيدة الولاء والبراء خاصة بالتعاون مع الكفار؟ أم تجب البراءة من أهل البدع كذلك؟ وكيف تكون صورة موالاة أهل البدع؟ وكيف تكون صورة معاداتهم؟ وهل موالاتهم من كبائر الذنوب؟

 

يُقال جوابًا على هذا السؤال: إن من أصول أهل السنة أن يعادى أهل البدع كما يعادى الكفار، فيجب أن نعادي البدعة وأن نعادي أهلها، كما أنه يجب أن نعادي ونتبرأ من الكفار ومن الكفر، قال الله عز وجل: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة: ٤]هذا فيه تبرّئ من أهل الكفر ومن الكفر نفسه.

أما فيما يتعلق بالبدعة، وهو وجوب البراءة منها ومن أصحابها، فيدل على وجوب البراءة من البدعة، ما أخرج مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((وشر الأمور مُحدثاتُها، وكل بدعةٍ ضلالة)).

فقوله: ((وكل بدعة ضلالة))، هذا في التحذير من البدع.

أما الذي يدل على التحذير من المبتدعة أنفسهم فهو ما أخرج الشيخان من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم)).

هذا أصلٌ في الحذر من المُبتدعة، كما بيَّن هذا الاعتقاد أئمة السنة كأبي عثمان الصابوني وغيره، ووضَّح ذلك أوضح الشاطبي في كتاب “الاعتصام”؛ فإذًا الشريعة جاءت بالبراءة من المبتدعة ومن البدعة.

ومما هو شائع في زماننا، وهو إن صح التعبير من بدع زماننا، أن كثيرين يدعون إلى بغض البدعة والبراءة من البدعة دون المبتدعة، وهذا بخلاف الشرع فإنه يوجب البراءة من البدعة ومن أصحابها، كما تقدم بيان ذلك، وكلام السلف كثيرٌ، في أن من جَالس المبتدعة فإنه يُلحق بهم، يريدون بذلك أن يكون مدخله ومخرجه معه، وأن يتقصّد الجلوس معهم، لا حصول الجلوس عرضًا لأسباب أخرى، وفي هذه المسألة تفصيل؛ لكن آثار السلف كثيرة، فإن من جالس أهل البدعة فهو مُبتدع مثلهم، وقد بيّن هذه الآثار ووضّحها الإمام ابن بطة في كتابه “الإبانة الكبرى”، وفي كلامه: أن هذه المسألة إجماعٌ من سلف هذه الأمة.

فإذا كان كذلك، وهو أن من جالس أهل البدعة و لم يعادهم فإنه يكون مبتدعًا مثلهم، فإذاً عدم البراءة من المبتدعة وعدم معاداتهم من الكبائر.

فينبغي أن تضبط هذه المسائل، وأن يكون عندنا غيرة على دين الله ، وأن نبغض البدعة وأهلها كما نبغض الكُفر وأهله، وبغض المبتدعة داخل في عموم قوله تعالىلَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢]

فإن المبتدع مُحادٌ لله ولِرسوله، وإن لم تكن محُادَّته كليةً كما هو حال الكفار؛ لذلك جاء عن ابن عباس وغيره: إنه شاملٌ لأهل البدع – عافاني الله وإياكم-.

فعلى هذا، يجب أن نُبغض البدعة وأهلها.

ومن أشد ضلال الحزبيين في زماننا أنهم إن حَذَّروا من البدعة لا يُحذرون من المبتدعة.

قد يقرّر الإخواني وغيره من الحزبيين الاعتقاد الصحيح إذا كانوا ناشئين في بلاد سلفية كالدولة السعودية أو غيرها، أو نشأوا على دعوة سلفية، أو تأثروا بالسلفيين، فمن كان منهم حركيًا مستمرًا على فكر الحركة، وعلى منهج الإخوان المسلمين وأمثالهم، فتراهُ إن حذَّر من البدعة ؛ فإنه لا يُوالى ويُعادى عليها كما يفعل سلفُ هذه الأمة، والسلف مجمعون على هجر أهل البدع، وأنه يجب هجرانهم وعداؤهم.

بَين هذا كثيرًا أئمة السنُة كالإمام أحمد، ذكر هذا في “اعتقاد أهل السنة”، وكعلي بن المَديني، وكأبي عُثمان الصابوني في كتاب “عقيدة السلف وأصحاب الحديث” وغيرهم من عُلماء الإسلام.

فإذًا يجب بُغض البدعة، ويجب هَجر المبتدع بإجماع أهل السنة، وبما تقدم ذِكره من الأدلة، ولا يكفي بيان الحق، بل يجب الموالاة والمعاداة على الحق مع التنبه إلى أنه ليس كل من وقع في البدعة يكون مبتدعًا، بل في هذا تفصيل عند أهل العلم.

وكذلك فإن الأصل: هجر أهل البدع؛ لكن قد يترك هذا الأصل لمصلحة راجحة؛ لأن الدين قائم على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وقد أصل هذا في هجر أهل البدع شيخُ الإسلام – رحمه وتعالى -، كما في المجلد الثامن والعشرين من مجموع الفتاوى وغيره.