يشكل علي أمر، وهو أنه مرة تستحب عبادات بدلالات العموم، ومرة لا تستحب مع أن العموم دلَّ عليها، كالذِّكر الجماعي، وهو داخل في عموم الأدلة في ذكر الله، إلا أن علمائنا بدَّعوه، فما الضابط؟


يشكل علي أمر، وهو أنه مرة تستحب عبادات بدلالات العموم، ومرة لا تستحب مع أن العموم دلَّ عليها، كالذِّكر الجماعي، وهو داخل في عموم الأدلة في ذكر الله، إلا أن علمائنا بدَّعوه، فما الضابط؟

 

يقال جوابًا على هذا السؤال: إن الأصل العمل بالعموم، والعمل بالعموم حجة ما لم يأتِ دليل آخر، يبيِّن أن هذا العام ليس على عمومه، بأن يخصص، أو أن يكون عامًا يراد به الخصوص.

ومن أمثلة ذلك ما يتعلق بالذِّكر الجماعي، الأدلة تكاثرت في الحَثِّ على ذكر الله، بألفاظ عِدَّة، لكن هذه الأدلة لا تدل على تقصد الذِّكر الجماعي.

والسبب في ذلك أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته أنهم تقصدوا الذكر الجماعي، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، ونحن مأمورون في العبادات بإتباع النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا وتركًا، ففي حديث أنس في الصحيحين، في قصة النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم وكأنهم تقالُّوها، «ثم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحد هؤلاء الثلاث -النفر الثلاث-: أما أنا فأقوم بالليل ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أنكح النساء إلى آخر الحديث، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر القوم قال: أما أنا فأصوم، وأفطر، وأنام، وأقوم، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعبَّدوا بترك أمرٍ ما تركه صلى الله عليه وسلم.

فإذن نحن مأمورون بإتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فما تركه نتركه من العبادات، وما فعله من العبادات صلى الله عليه وسلم فنفعله، وليس لنا أن نتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نفعل أمرًا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام؛ لذا قال الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- قال في كتابه “الرسالة”: ((وفِعْله سُنة، وتَرْكه سُنة))، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم.

إذن هذه الأدلة المتكاثرة دلت على عموم ذِكر الله بألفاظ العموم وغيره، ثم جاءنا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن تقصد الذِّكر الجماعي ليس مرادًا، بدليل أنه لم يفعله صلى الله عليه وسلم، فإذن هذه السنة العملية من النبي صلى الله عليه وسلم بيَّنت تلك الأدلة القوية، وبعبارةٍ أخرى خَصَّصت ما كان منها عامًّا.

لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه “الاقتضاء”: والسنة التركية –أي: ترك النبي صلى الله عليه وسلم لأمرٍ يخصص العامة، وإذا خالفه القياس صار القياس قياسًا فاسدًا. بمعنى: من أراد أن يقيس في باب العبادات، وهذا القياس لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون هذا القياس مخالفًا ومصادِمًا لتَرْك النبي صلى الله عليه وسلم، وتَرْكه سُنة.

ومن المتقرَّر أصوليًا أن القياس إذا خالف النصَّ، فإنه يكون قياسًا فاسدًا، والنص في مثل هذا هو تَرْكه صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك يقال في العموم؛ فإنه إذا جاءت أدلة تدل بالعموم على عبادات، ولم يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته، مع إمكان الفعل، فتَرْكهم لهذا الأمر يُعَدُّ تخصيصًا لهذا العام.

إذا تبيَّن هذا، فما جاء من أدلة في ذكر الله بألفاظ متعددة لا تدل على تقصد ذلك بالذِّكر الجماعي، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته لم يفعلوا ذلك.

فإذن تَرْكهم خَصَّصَ هذا النص العام، وهذا أمر مهمٌّ ينبغي أن يعرفه طالب العلم، وذلك لأن كثيرًا من البدع دخلت على المسلمين بالألفاظ العامة، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- في “اقتضاء الصراط المستقيم”، والشاطبي –رحمه الله تعالى-؛ لأنَّ بعض المبتدعة إذا رأى النصوص العامة فزع إليها، ولم يلتفت إلى السنة العملية، وهي تَرْك النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته للعمل بهذا النص، وتَرْكهم يعتبر تخصيصًا للنص العام، وتقيدًا للنص المطلق، وإذا خالفه القياس صار قياسًا فاسدًا.