وقفة مع لفظ “الإنسانية”


بسم الله الرحمن الرحيم

فقد كثُرَ في زماننا استعمال لفظ (الإنسانية) في وصف الأعمال الصالحة والخيريَّة والحَثِّ عليها، وهذا اللفظ له إطلاقان:

الإطلاق الأول: ما يرادف الفطرة والمروءة، أو ما يُميِّز الإنسان عن غيرِه، ونحو ذلك، قال الجوهري: ” والمروءةُ: الإنسانية[1]، وقد استعمله بهذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الاستقامة) فقال وهو يعيب أمرًا: “… فَهَذَا خُرُوج عَن الْعقل وَالدّين وَعَن الانسانية بِالْكُلِّيَّةِ[2]، خروج عن الإنسانية: أي خروج عن المروءة.

الإطلاق الثاني: بمعنى الفلسفة الإنسانية وتسمى أيضًا “الإنسانوية”، وهي أحد المفاهيم التي أُسست لمحاربة الكنيسة، ولهم أفكار ومبادئ مفادها: وجوب اجتماع الناس على الأخوة الإنسانية بعيدًا عن الدِّين وكل ما يتَّصل به، وغير ذلك من المبادئ الكفرية، ومِن العبارات التي اشتهرت عنهم في الترويج لمذهبهم: “اعتنق الإنسانية، ثم اعتنق ما شئت مِن الأديان[3]، فهي قيمة عليا عندهم حتى فوق الدِّين!

فبذلك لا يُعد مِن الإنسانية عندهم مساعدة الآخرين فيما يتعلق بالدعوة للتوحيد وإنقاذ الناس مِن الشرك والكفر، وكل ما يتعلق بالدِّين والدار الآخرة؛ لأنهم يعتبرونها مجرد قناعات شخصية لا ينبغي أن تكون معيارًا مؤثرًا في علاقة الإنسان بالإنسان، مثلها مثل تفضيل القهوة بسكر أو بغير سكر، وهذه مناقضة كلية للتوحيد والفطرة.

والإحسان إلى الآخرين بإعانتهم على حمل متاعهم، أو إطعام جائعهم، أو إماطة الأذى عن الطريق …وغيرها من صور النفع المتعدي هي مِن شعب الإيمان، ومما تدعو إليه الفطرة السوية، لكن من الأخطاء التي شاعت بين المسلمين -وللأسف حتى بعض أهل العلم- أنهم بدلًا من أن يقولوا: “ ساعد فلانًا لوجه الله “، أو “ ساعد فلانًا لتنال ثواب الله وللنجاة في الآخرة … “، شاع على ألسنتهم قول: “ ساعد فلانًا إنسانيةً، أو لأجل الإنسانية ” أو يصفون أعمال الخير والبر عمومًا والمؤسسات القائمة بذلك بـ “الإنسانية”.

وهذا خطأ ومخالف للشريعة، فالشريعة لا تدعو لفعل الخير والبر لمجرد المروءة والدافع الفطري الإنساني، فلا أجر ولا ثواب على أعمال الخير إلا بنية ابتغاء الله والدار الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114] وأخرج البخاريُّ ومسلمٌ عن سعد بن أبي وقاص I أنَّ النبي ﷺ قال: «إنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْت عليها، حتى ما تضع في فيِّ امرأتك» [4]، وقال ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [5]، فلا أجر ولا ثواب على أعمال الخير إلا بنية.

ثم استعمال لفظ (الإنسانية) في ذات السياقات التي يستعملها أهل الباطل من العلمانيين والليبراليين وأهل الغفلة في هذه السنين المتأخرة ينبغي أن يُترك، لاسيما من أهل العلم والفضل ومن يقتدي الناس بهم؛ لئلا يختلط المعنى الصحيح بالمعنى الباطل، وإن كانت اللفظة في أصلها مباحة وتحتمل معنى صحيحًا.

ومما شاع أيضًا من أمثال ذلك لفظ (المواطنة) و(خطاب الكراهية) و(التعايش) و(الدولة المدنية) و(الطائفية) ونحو ذلك، فهذه الألفاظ تحتمل معنى صحيحًا وتحتمل معنى باطلًا -وهو الشائع في هذا الوقت- يستعمله الليبراليون والعلمانيون ومن تأثر بهم.

  • فيريدون بالمواطنة: الولاء والبراء على الوطن وليس على الدين، وهذا الاصطلاح ممدوح ومطلوب عندهم!
  • ويريدون بخطاب الكراهية والتعايش: خطاب الكراهية: العمل بعقيدة الولاء والبراء مع الكفار وأهل البدع ببغضهم وعدائهم، والتعايش: إلغاء عقيدة الولاء والبراء مع الكفار وأهل البدع وعدم بغضهم وعدائهم، ومعنى (خطاب الكراهية) هذا مذموم عندهم! ومعنى (التعايش) هذا ممدوح ومطلوب عندهم!
  • والمراد بالدولة المدنية: مفهوم سياسي مبني على المساواة بين أفراد الدولة ولو اختلفت أديانهم، وهذا المعنى ممدوح ومطلوب عندهم!
  • والمراد بالطائفية: اعتقاد أن الحق في طائفة واحدة معينة دون غيرها وإظهار الولاء والبراء على ذلك، ومعنى (الطائفية) هذا مذموم عندهم!

فكيف يستعمل المسلم هذه الألفاظ التي شاعت بالمعنى الباطل بزعم أنه أراد المعنى الصواب؟ وهو النادر غير المراد في الأغلب الأعم؟

ومن الأدلة على أن اللفظ إذا كان يُستعمل في معنى صحيح ومعنى باطل أنه يُترك، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة: 104] قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ” نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير، لئلا يكون قوله ذريعة إلى التشبُّه باليهود في أقوالهم وخطابهم؛ فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السبَّ، ويقصدون فاعلًا من الرعونة، فنُهي المسلمون عن قولها سدًّا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبُّهًا بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون[6].

فينبغي للمسلم أن يحرص أن يكون كلامه بأحسن الألفاظ والعبارات، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53] وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83] وأحسن الألفاظ ما وافقت شريعة رب العالمين، في مبناها ومعناها ومقاصدها، ومن مقاصد الشريعة العظيمة: مخالفة الكفار حتى في الأمور المباحة المشتركة بيننا وبينهم، كما كان هدي النبي ﷺ في تحري مخالفتهم في كل شي، ظاهرًا وباطنًا، فكيف بموافقتهم على معانٍ شاع استعمالها بالمعنى الباطل؟ [7].

________________________________

[1] الصحاح (1 / 72) دار العلم – ط4، وانظر: لسان العرب (1 / 154) دار صادر – ط3.

[2] الاستقامة (2 / 35) جامعة الإمام – ط1.

[3] ومن منظِّري هذه الفلسفة: الكاتب الفرنسي فرانسيس بوتر، والفيلسوف الإنجليزي جون لوك، وغيرهم من الكفرة والملاحدة انظر: المذاهب الفكرية المعاصرة (2 / 825) الدار العصرية – ط10.

[4] صحيح البخاري (1 / 20) رقم: (56)، وصحيح مسلم (3 / 1250) رقم: (1628).

[5] صحيح البخاري (1 / 6) رقم: (1) وصحيح مسلم (3 / 1515) رقم: (1907).

[6] أعلام الموقعين (4 / 7) دار عطاءات العلم – ط2.

[7] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1 / 197) دار الكتب العلمية – ط7.


شارك المحتوى:
0