هناك من رماكم بالإرجاء، فأَحِطْنَا علمًا بقولكم في الإيمان؟


هناك من رماكم بالإرجاء، فأَحِطْنَا علمًا بقولكم في الإيمان؟

 

أقول جوابًا على هذا السؤال: إني أعتقد في الإيمان ما اعتقده أهل السنة، وما أجمعوا عليه، وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو أن الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقَادٌ، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [ البينة: 5].

فذَكَر الإخلاص، وهو عمل قلبي، وذَكَر إقامَ الصلاة وهو مشتمل لأعمال الجوارح، وقول اللسان، وذكر الزكاة وهو من أعمال الجوارح، وجعل الجميع حنفاء لله دينًا لقوله سبحانه: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]

وثبت في الصحيحين، واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

فجعل القول وهو قول: “لا إله إلا الله” من الإيمان، وكذلك العمل وهو ” إماطة الأذى” من الإيمان، وكذلك الاعتقاد وهو ” الحياء من الإيمان”.

وفي قوله: “بضع وسبعون شعبة” إشارة إلى أن الإيمان يتجزأ، فإذا كان يتجزأ فهو يزيد وينقص، ويدل لذلك قول الله عز وجل: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ [الفتح: 4]. فالإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.

وأعتقد ما قرَّره أهل السنة من أنّه يصحّ الاستثناء في الإيمان؛ أي: أن يقول القائل: أنا مؤمن إن شاء الله، أو أرجو أن أكون مؤمنًا، وذلك بالنظر إلى كمال الإيمان، أو لقبوله، أو عدم التزكية، ولا أرى الاستثناء بالنظر إلى أصل الإيمان كما قرَّر ذلك أهل السنة في كتب الاعتقاد، وممَّن قرَّر ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-.

وأعتقد أن الكفر يكون بالقول، والعمل، والاعتقاد، والكفر بالقول كالاستهزاء بالدين، أو كقول القائل: إن الله ثالث ثلاثة.

أما الكفر بالعمل: كوطء المصحف.

أما الكفر بالاعتقاد: كاعتقاد أن هناك إلهًا آخر مع الله، أو أن أحدًا يعلم الغيب؛ فإنَّ علم الغيب خاصٌ بالله سبحانه وتعالى.

وأعتقد أن صاحب الكبيرة لا يكفر بكبيرته، لكن إيمانه ينقص بكبيرته، كما بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث الشفاعة: إنَّ الله يُخرِج من النار مَن في قلبه مثقال ذرة… إلخ. فدلَّ هذا على أنهم مؤمنون مع وجود الكبائر منهم؛ لذلك دخلوا النار، وعُذِّبوا فيها، ولكنهم خَرَجُوا لأنَّهم مُوحّدُون.

وأعتقد أنَّ الكافر الأصلي كاليهودي والنصراني وأمثالهما كُفَّارٌ، كما كفَّرهم الله في كتابه، قال سبحانه: ﴿لمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1]، فجعل أهل الكتاب والمشركين كفارًا.

بل وأعتقد أن من لمْ يكفِّر اليهود والنصارى، فإنه كافر مثلهم، وقد حكى الإجماع على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في “مجموع الفتاوى”، لأن من لم يكفرهم مقتضَى قوله: تكذيب القرآن.

وأعتقد أن المسلم إذا وقع فيما يقتضي الكفر –أي: في شيء من نواقض الإسلام- فإنه يكون كافرًا بعد قيام الحجة، فقد يكفر المسلم بعد إيمانه، وبعد إسلامه، إذا وقع في مكفِّر، وقامت الحجة عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ [التوبة: 74] ، وقال سبحانه: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾[التوبة: 66].

وأعتقد أنَّ من نطق بالشهادتين من أهل الإسلام وجلس عمره كله، ولم يعمل شيئًا من أعمال الجوارح الواجبة مع قدرته، فإنه يكون كافرًا، وقد حكى الإجماع على ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-، ويدلُّ على هذا كلام الإمام أحمد والآجري، وغيرهم من أئمة السنة.

وأعتقد أن تارك الصلاة كافرٌ على أصح قولي أهل العلم، كما ذهب إلى هذا أيوب السختياني، والإمام أحمد في رواية، وإسحاق بن راهويه، بل حكى المروزي وغيره من أهل العلم أن الصحابة مجمعون على ذلك.

وأعتقد أن مَن نطق بكلمة التوحيد “لا إله إلا الله “لم تنفعه إذا لم ينطقها مع شيء من شروطها، وإنما تلفَّظ بها لفظًا مجردًا، فمن فعل ذلك فإن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، لا تنفعه يوم القيامة، كما قال وهب بن المنبّه، لما سئل؟ أليست لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن المفتاح له الأسنان، فإذا أتيت بأسنانه وإلا لم يفتح لك.

ومجرَّد النطق بكلمة التوحيد لا يكفي في النجاة من النار، ولا تنفع صاحبها يوم القيامة، بل لابد أن يأتي بشروطها من الإخلاص، و العلم، واليقين، وإلى غير ذلك.

هذا جملة ما أعتقد في الإيمان، وهو الذي أعلم أن أهل السنة مجمعون عليه، وأعوذ بالله أن أعتقد في الإيمان شيئًا مخالفًا لما جاء في كتاب الله أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو أجمع عليه سلف هذه الأمة.

وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحيني وإياكم على هذا الاعتقاد السني السلفي، وأن يميتنا على ذلك، وأن نلقي الله وهو راضٍ عنا، فمن نسب إليَّ شيئًا خلاف ذلك، فقد قال ما لا دليل له عليه، ولا حجة له، وقد صحح الألباني –رحمه الله تعالى- ما أخرج أحمد وأبو داوود من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ»، وجاء في حديث آخر تفسير “ردغة الخبال” بأنها عصارة أهل النار، والعياذ بالله.

وأنبّه على أنه ليس معنى أن أتكلم أنا أو غيري من طلاب العلم، أو يتكلم علماء أهل السنة في أهل الباطل بدليل وبينة وبرهان، ليس معنى هذا أن تأخذ أهل الباطل الحمية، فيدافعوا عن أقوامهم بأن يَصِفُوا أهل السنة بما ليس فيهم، وليعلموا أنهم إن فعلوا ذلك فقد زادوا وزرًا على أوزارهم، بسكوتهم عن أهل الباطل بأن دافعوا عنهم، بل وزادوا ذلك بأن رموا أهل السنة بما ليس فيهم.

وليتق الله كل قائل، وليعلم أن الله حسيبه، وليعلم أن الله يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحيني وإياكم على التوحيد والسنة، وأن يميتني على ذلك، وأن نلقى الله وهو راضٍ عنا، وجزاكم الله خيرًا.