هل يُثبِت أبو الحسن الأشعري الاستواء؟


هل يُثبِت أبو الحسن الأشعري الاستواء؟

يُقَالُ جوابًا على هذا السؤال: أن أبا الحسن الأشعري يُثبِت الاستواء كما يُثْبِته أهل السنة، ولا يتأولّه كما يتأوله أهل البدع بمعنى استولى، فهو لا يتأول الاستواء كتأويل أهل البدع بمعنى استولى، بل الباقلاني أنكر هذا التأويل في كتابه “التمهيد”، وبيَّن أنه تأويل أهل البدع، ويريد بذلك – والله أعلم- المعتزلة.

فإذًا الاستواء يُثبِته أبو الحسن الأشعري.

لكن ينبغي أن نتنبه إلى أمر دقيق للغاية، وهو أن أبا الحسن الأشعري لا يجعل الاستواء صفة قائمة بالله، بل يقول: إن معنى قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ۗ ﴾ [طه: ٥] أي: أن اللهجل جلاله فعل فِعلًا في العرش استوى عليه، ما هذا الفعل؟

هو أن الله قرَّب العرش، فصار فوقه، أي فوق العرش سبحانه، فبهذا صار مستويًا على العرش، لا أن الله نفسه فعل الاستواء، ففعل الاستواء ليس متعلقًا بالله، بل متعلق بالعرش، بأنْ قرَّب العرش، فصار الله مستويًا عليه.

وذلك أن أبا الحسن الأشعري وكل المعتزلة وكذلك الجهمية من باب أولى لا يُثبِتون شيئًا من الصفات الفعلية، وقد نص على هذا المعنى البيهقي في كتاب “الأسماء والصفات”، وذكر أن معنى الاستواء على العرش عند الأشعري: أن الله فعل فعلًا في العرش، وذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواضع، كما في “مجموع الفتاوى”، وذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه “اجتماع الجيوش الإسلامية”.

فإذًا أبو الحسن الأشعري يثبت الاستواء، ولا يتأوله بمعنى الاستيلاء كما يتأوله الأشاعرة المتأخرون، أو من جاء بعده كالجويني وغيره، هذا أمر.

الأمر الثاني: لكن لا يجعل الاستواء صفة متعلقة بالله، بل يجعل الفعل متعلقًا بالعرش، بأن يفعل في العرش فعلًا بحيث إنه يقرِّبه فيكون الله فوقه، فيكون مستويًا عليه I.

وأنبِّه على أمر أن عدم تأويل أبي الحسن الأشعري للاستواء بمعنى الاستيلاء كما يفعله الأشاعرة المتأخرون، أو كما هو شائع أيضًا عند الأشاعرة اليوم، هو حجة عليهم، بأنهم قد أنكروا أمرًا، إمامهم يُثبِتهم، ولا يخالفهم على هذا التأويل، بل أبو بكر الباقلاني المعظَّم عندهم كذلك لا يوافقهم على هذا التأويل.

ومن باب الفائدة الأشاعرة مضطربون للغاية في اعتقاداتهم، لا في طريقة إثباتهم، ولا في اختلافهم في كثير من مسائل الاعتقاد، لذا بعض الأشاعرة يجعل هذا ممسكًا له في أنه إذا قال رجل سُنِّيٌّ: إن الأشاعرة يقولون كذا وكذا، يرد الأشعري، ويقول: ليس جميعنا يقول ذلك، بل يقول فلان دون فلان.

فيقال: إن هذا حجة عليهم، وذلك أن المتكلمين ومنهم الأشاعرة يجعلون الاعتقاد مبنيًا على اليقينيات، ولو كان الاعتقاد محصورًا على اليقينيات كما يقولون لما صار هذا الاختلاف بينهم، بل هم لا يرون التقليد في الاعتقاد، بل يرون أن المقلِّد إمَّا أنه كافر أو آثم، وعلى ذلك قولهم في العوام اليوم: أنهم ما بين كُفَّار أو آثمين؛ لأن اعتقادهم مبني على التقليد.

فالمقصود أن الأشاعرة مختلفون في اعتقاداتهم، فيلزم على تأصيلهم أن يكفِّر بعضهم بعضًا، أو أن يضلِّل بعضهم بعضًا.

لماذا إذا قال السُّنِّي: إن الاستواء بمعنى العلو والارتفاع إلى آخره ضلَّلوه؟

ولا يفعلون ذلك، ولا يطردون هذا في أبي الحسن الأشعري وأبي بكر الباقلاني.

هذا يدلُّ على أنهم متناقضون في اعتقاداتهم، لا في دليلهم ولا في تصور ما يعتقدونه.

وأؤكد على أمر ذكرته في أجوبة سابقة أن أضعف المذاهب العقدية البدعية هو مذهب الأشاعرة؛ لأنه مذهب متناقض ومركَّب ما بين المعتزلة، وأرادوا أن يقربوا من أهل السنة فصاروا في الظاهر إذا أجملوا على مذهب أهل السنة، وإذا فصَّلوا رجعوا إلى الجهمية، رجعوا إلى المعتزلة.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمَنا، وجزاكم الله خيرًا.