هل يلزم طالب العلم أن يُبَدِّع من بدَّعه بعض أهل العلم؟


هل يلزم طالب العلم أن يُبَدِّع من بدَّعه بعض أهل العلم؟

 

يقال: إن في هذه المسألة تفصيلًا، وإنها دارجة تحت أصولٍ، فينبغي أن يفرَّق في هذه المسألة بين من ظهرت له الحجة، وبين من لم تظهر له الحجة؛ أي: من ظهر له الدليل، ومن لم يظهر له الدليل، وبين من كان سلفيًا وثبتت سلفيته بيقين، وبين من ليس كذلك.

فتقليد العالم في تبديع من بدَّعه ذاك العالم الثقة لا يُقْبَل مطلقًا ولا يرد مطلقًا، وإنما تراعى فيه عدة أصول، وعدة أمور:

الأمر الأول: من ثبتت سلفيته بيقين لم يخرج منها إلا بيقينٍ مثله، فإذا بدَّع عالمٌ أو طالبُ علمٍ ثقةٌ رجلًا ثبتت سلفيته بيقين، فإن تبديعه لا يقبل مطلقًا إلا بعد أن ينظر في الحجة، فإن كانت حجته مقنعةً فإنها تُتَّبَع؛ فإنه يجب أن ندور مع الدليل حيث دار، ولا يُنظَر أيضًا لكثرة موافقيه أو مخالفيه، وإنما العبرةُ بالدليل الشرعي.

فإذن؛ إذا بدَّع العالم أو طالبُ العلم الثقةُ رجلًا ثبتت سلفيته بيقين، لا يُقبَل تبديعه على الإطلاق؛ بل يُنظر للحجة، فإن كانت حجته مقنعةً فإننا نقبل تبديعه، وإلا لم نقبل تبديعه، ورجعنا للأصل، وهو سلفية هذا الرجل.

وهذه المسألة يعنون لها العلماء بـ “تعارض الجرح المفسر مع التعديل”، و”تعارض الجرح المجمل مع التعديل”، وجمهور العلماء على أن الجرح المجمل لا يقدَّم على التعديل، وإنما يقدَّم الجرح المفسر؛ أي الذي بُيِّنَ، وكان مقنعًا.

الأمر الثاني: أن يبدِّع العالمُ الثقةُ أو طالبُ العلم الثقةُ رجلًا، وهذا الرجل لم تثبت سلفيته، فمثل هذا يُقبَل تبديعه لذاك الرجل؛ لأن الجرح إذا كان مجملًا فإنه يُقبَل إذا لم يعارض تعديلًا.

لكن ينبغي أن يراعى في ذلك أن يكون الجارح ثقةً، وذا عدالةٍ، وعدلٍ في تبديعه، فبعض الناس قد يكون عنده غلوٌ وشدةٌ في الجرح فلا يقبل جرحه، وبعضهم العكس يكون عنده لينٌ زائدٌ فلا يقبل تعديله، وللسلف كلام على علماء في زمن السلف من أمثال هؤلاء.

الأمر الثالث: أنه إذا بدَّع رجلٌ رجلًا، فلا يلزم بقية أهل العلم أن يقتنعوا بتبديعه، ويقال فيمن لم يقتنع بتبديعه: إنه مبتدِعٌ مثله، أي: مثل ذاك المبتدع، هذا خطأ على الإطلاق إلا من اشتهر ببدعة، وصارت ظاهرةً وبينةً، فمثل هذا له حكمه.

وأيضًا ينبغي أن يتأمل في هذا، فإن بعض الناس يبالغ، فقد يرى رجلًا مبتدعًا، ثم يبالغ في تبديعه ثم مع مبالغاته مع الأيام يزعم أن بدعه ظاهرة لابد أن يبدع، وإذا حققت في كثيرٍ من الأمور التي وصفه بأنه مبتدعٌ من أجلها، لم تكن كذلك، بل إذا حققت وجدت بعضها ظنونًا، لا صحة لها، إلى غير ذلك.

الأمر الرابع: أنه قد يقتنع رجلٌ بأن رجلًا مبتدعٌ، لكنه لا يصرح بتبديعه لمصلحةٍ عارضة، فرقٌ بين اعتقاد التبديع وبين التصريح به للنظر في المصالح والمفاسد.

ومن ذلك أن بعض علماءنا المعاصرين قد توقفوا في إظهار تبديع أقوامٍ تألفًا لهم لعلهم يتوبون، بل صبر بعضهم على بعض سنوات ثم بدَّعوا بعد ذلك، وبعضهم إذا بدَّع ألزم الناس أن يبدِّعوا معه، مع أنه قد كان صبر على فلانٍ سنواتٍ، فإذن لغيره أن يصبر سنواتٍ أكثر، أو لغيره أن يسبقه، ويظهر التبديع إذا رأى المصلحة في ذلك.

فالمقصود أن دين الله قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها، ودرأ المفاسد وتقليلها، فقد يقتنع رجلٌ ببدعة رجلٍ بأن فلانًا مبتدعٌ لكنه لا يبدعه؛ لأنه يرى المصلحة في عدم إظهار هذا، أو يرى مصلحة التأخر في ذلك لأجل هدايته، أو لأجل قومه الذين يريد أن يكسبهم؛ لأنهم لا يزالون محسني الظن به إلى غير ذلك من المصالح.

فالقول على الإطلاق: من لم يبدِّع المبتدع فهو مبتدعٌ مثله، هذا خطأ، وإغفال هذا الأصل على الإطلاق أيضًا خطأ، فينبغي أن يراعى فيه ما تقدم ذكره. لعلّ الله أن يهيئ جلسةً علميةً في تفصيل هذه المسألة.

ولو تأملت ونظرت في مثل الإمام مسلم، فإن الإمام البخاري قد بدّعه بعضُ الأجلاء من علماء السلف، وهم مخطئون في تبديعه على الصحيح، والإمام مسلم رحمه الله تعالى لم يوافق هذا التبديع، ولم يبدع الإمام مسلم؛ لأنه لم يوافق في تبديع الإمام البخاري.

وقلت لكم: هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل.

أسأل الله أن يجمع كلمة أهل السنة على الهدى، إنه الرحمن الرحيم.