هل يجوز الكلام في الحُكَّام المسلمين الذين هم حُكّامٌ على دول أخرى مسلمة، وليسوا حُكَّامًا عَلَيَّ؟


يقول السائل: هل يجوز الكلام في الحُكَّام المسلمين الذين هم حُكّامٌ على دول أخرى مسلمة، وليسوا حُكَّامًا عَلَيَّ؟ مع الدليل والتفصيل.

يُقَالُ جوابًا عن هذا السؤال: إنه ينبغي أن يُعلَم أمور:

الأمر الأول: أنه يجب أن يعتقد المسلم في عنقه بيعة لحاكمه الذي هو تحت حُكمِه، و«من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»، كما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم.

ولا يجوز أن يعتقد المسلم أن في عنقه أكثر من بيعة لأكثر من حاكمٍ، بل بيعته واحدة لحاكم واحد، وهو حاكمه الذي هو تحت حُكْمه، فالسعودي يبايع ويعتقد في عنقه بيعة لحُكَّام السعودية، وهكذا الإماراتي، والكويتي، والتركي، والمصري إلى آخره.

الأمر الثاني: إن الدعوة للخروج على أَيِّ حاكم مسلَّم محرَّم، ولا يجوز، فإن الخروج محرَّم بإجماع أهل العلم، وقد تكاثرت الأدلة وإجماعات أهل السنة في بيان حرمة الخروج، فلا يجوز الخروج على الحاكم المسلم، سواء كان حاكمه أو لا بأن يحرِّض الناس أن يخرجوا على حاكمهم.

لأن الخروج محرمٌ، فلا يجوز للكويتي أن يخرج على حاكمه الكويتي، وكذلك لا يجوز للكويتي أن يحرِّض البحريني أن يخرجوا على حاكمهم البحريني، أو أن يحرِّض الأتراك أن يخرجوا على حاكمهم التركي، إلى غير ذلك؛ لأنَّ الخروج محرَّم.

إذا تبيَّن هذان الأمران، فبَعدَ هذا يقال: إنه لا يجوز أن يُتكَلَّم في حاكم البلد؛ لأنه محرَّم، ومؤدٍّ إلى ما هو محرَّم، ومؤدٍّ للخروج الذي هو محرَّم على الشخص المتكلم نفسه.

وكذلك لا يجوز للمسلم أن يحرِّض المسلمين أن يخرجوا على حاكم بلادهم، كما تقدم، فلو ذكر معايب حُكَّام البلدان الأخرى فإن هذا محرم، لأنه يؤدي إلى إيغار الصدور على حاكمهم مما يكون سببًا للخروج عليه، لكن حرمة الخروج على حاكمه محرم لذاته بالنصوص الكثيرة.

أما حُرمَة الكلام في حاكم دولة أخرى فمحرَّم لغيره، وهو من باب الوسائل ، حتى لا تُوغر صدورهم، فيقعوا في الخروج المحرَّم.

ومما هو معروفٌ عن السلفيين – ولله الحمد- أنهم لا يتكلَّمون لا في حُكَّامهم، ولا في غير حُكَّامهم من الحُكَّام المسلمين، بل يدعون للسمع والطاعة، ولو كان الحاكم مبتدعًا، أو كان ضالًّا، أو فاسقًا، أو مجاهرًا بفسقه بما أنه مسلم، وهذا هديهم المعروف، والواقع خير شاهد.

لكن أحيانًا يُكثِر الإخوانُ المسلمون من ذِكر محاسن حاكمٍ معيَّنٍ لأجل تهيج شعوب الحُكَّام الأخرى للخروج على حاكمهم، أو لإيغار صدورهم على الخروج على حاكمهم، كما ترى الإخوان المسلمون كثيرًا ما يظهرون محاسن حاكم مصر سابقًا محمد مرسي، وكذلك يُظهِرون محاسن أردوغان الحاكم التركي لأجل تهييج الشعوب في الدول الأخرى على حُكَّامهم، وأنهم مقصِّرون بخلاف أردوغان فإنه ليس مقصِّرًا إلى غير ذلك.

فبهذه الطرق، وهي إبراز ما عند أردوغان من محاسن أوحتى اختلاق محاسن لإبرازها لإيغار صدور الناس هذا فِعلٌ محرَّمٌ، فلما كان كذلك انبرى طائفة من أهل السنة وبيَّنوا أن مثل هذا لا يجوز؛ لأنه دعوة للخروج على الحُكَّام المسلمين الآخرين، سواء كانوا من حُكَّامهم في بلادهم أو غيرهم.

ثم بيَّنوا أنه لا مزية لحاكم تركيا أو حاكم مصر سابقًا محمد مرسي؛ حتى تُبرَز محاسنه، فيهيج الشعوب في الدول الأخرى، أو توغر صدورهم على حُكَّامهم، بل قالوا: إنَّ كُلَّ ما تقولونه من سيئات عند حُكَّام المسلمين هي أيضا موجودة عند أردوغان وعند مرسي وقد تكون أَزْيَد.

لأجل هذا انبرى أهل السنة لبيان الأخطاء عند أردوغان، ومن يحاوِل الإخوان المسلمون إظهار محاسنهم لأجل إيغار صدور الشعوب للخروج على حُكَّامهم في بلادهم وغير بلادهم.

ومثل هذا جائزٌ، ويتضح هذا بما يلي.

الأمر الأول: أن ما مُنِع سدًّا للذريعة – وهو الكلام في الحُكَّام الآخرين- فإنه يجوز للمصلحة الراجحة، قرَّر هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في “مجموع الفتاوى” وغيره، وقرَّره الإمام ابن القيم –رحمه الله تعالى- في كتابه “إعلام الموقعين”، وفي كتابه “زاد المعاد”، والأدلة على ذلك كثيرة.

فلما كانت المصلحة راجحة في بيان ما عند الحُكَّام الآخرين الذين تُبرَز محاسنهم لدعوة الناس للخروج على الحُكَّام في بلدانهم كان واجبًا بيان هذه الأخطاء؛ لئلا يخرج الناس على حُكَّامهم، أو توغر صدورهم فتكون المفسدة أكبر.

فإن قيل: إن مثل هذا قد يُوغِر صدور الأتراك مثلًا للخروج على الحاكم أردوغان.

فيقال: هذه المفسدة متوقَّعة، لكن هناك قاعدة شرعية عظيمة، وهو أنه يُغتَفر تبعًا ما لا يغتفر استقلالًا، وقد بيَّن هذه القاعدة شيخ الإسلام-رحمه الله تعالى- كما في “الفتاوى الكبرى”، وفي”مجموع الفتاوى”، وبيَّنها السيوطي في كتابه “الأشباه والنظائر” وبينها غيره ممّن تكلموا في القواعد الفقهية.

وإذا كان كذلك، فإنه لو قُدِّر حصول مفسدة من إيغار صدور الأتراك على الحاكم أردوغان، وهذه المفسدة لو قُدِّر حصولها فإنهه يغتفر تبعًا ما لم يغتفر استقلالًا.

ثم يؤكد ذلك قاعدة أخرى ثابتة، وهو أن الدِّين مبني على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وأنه “إذا تعارضت مفسدتان تُدَرأ المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى”.

فإن احتمال إيغار صدور الأتراك قليل للغاية بالنسبة إلى دفع الفِتَن التي يدعو إليها الحركِيُّون في بلاد المسلمين بإظهار محاسن أردوغان.

لاسيما والسلفيون وأهل السنة يكرِّرون ما بين حينٍ وآخر أن خروج الأتراك أو المصريين أيام مرسي على حاكمهم محرَّم، فَهُم بهذا يقلِّلون المفسدة المتوقعة، مع تحصيل المفسدة الأكبر، وهو عدم خروج الناس على حُكَّامهم في بلادهم.

إذا تبيَّن هذا، فإن كلام بعض أهل السنة في أمثال هؤلاء الحُكَّام ليس عادة لهم كما تقدَّم، وإنما هو لشيءٍ عارضٍ، والأصل حرمته كما تقدَّم، وإنما صح فعله لمصلحة راجحة، ولتدفع مفسدة كبرى بمفسدة صغرى.

وبعض الناس يشدِّد ويقول: لا يجوز الكلام في الحُكَّام الآخرين، كما لا يجوز الكلام في حاكم الرجل نفسه في بلده.

وهذا خطأ، وينبغي أن يعيد قائلُه النظر فيه؛ وذلك لأن المسلم إنما يبايع حاكمًا واحدًا، لا حاكِمَين، فلا يستويان.

ويُقرَّب هذا بمثال، لو قُدِّر جدلًا أن حاكمًا مسلمًا في دولة أخرى بغى على دولة، وأراد قتالها، وكان في المقدمة، فإنه يجب على من كان في البلد التي بُغِي عليه فيها أن يواجه ذاك الحاكم ومن معه من جيشه، وأن يردّ بغيهم، ولو استدعى الأمر إلى أن يقتُلَ ذاك الحاكم، وهو في مقدمة الجيش.

لقول الله -عز وجل-: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:9].

فلو قُدِّر جدلًا أن رجلًا قال: لا يجوز أن تقاتل ذاك الحاكم الباغي؛ لأنه حاكم، ويجب السمع والطاعة له.

فإن مثل هذا لا يصح، وإنما يقال: إنما يجب السمع والطاعة له لمن هو تحت حكمه.

هذا أذكره تأصيلًا وتوضيحًا مع الإشارة إلى أمرين، وبهما أختم:

الأمر الأول: وقد ذكرته قبل، لكن أؤكِّده وهو أن كلام أهل السنة على بعض الحُكَّام هو خلاف الأصل، وهم يحرِّمونه من باب سد الذرائع، وليست طريقةً لهم، وإنما فعلوه لمصلحة راجحة، كما تقدَّم.

بل ومما يقرِّره أهل السنة كثيرًا أن خروج المسلمين على حُكَّامهم في بلدانهم الأخرى غير جائز، وهذا ما فعله أهل السنة في فتنة الانقلاب على أردوغان.

ثم إن أهل السنة لا يعادون أردوغان لذاته، وإنما اضطروا للكلام الذي سبق ذِكرُه عرضًا لما تقدم، وإلا هم في الأصل لا ينسبون السب والشتم والانتقاص لأردوغان، كما تقدم بيانه، وإنما لدفع المفسدة التي أتى بها الحركِيُّون، وأرادوا بها إثارة الشعوب على حُكَّامهم.

أما الأمر الثاني الذي أريد الإشارة إليه، وهو أنه إذا كان الكلام في مثل أردوغان أو غيره سيترتب عليه مفسدة بين إخواننا من أهل السنة، فالأحسن الإمساك عن ذلك؛ فإن حفظ رأس المال مقدَّمٌ على الربح.

لكني أدعو أهل السنة ممن لا يرون الكلام في الحُكَّام الآخرين أن يأخذوا الأمر بلُطفٍ وألا يشدوا على إخوانهم، وكذلك من يرى الكلام ألا يشُدّ على إخوانه ممن لا يرون الكلام، فإن أمثال هذه المسائل مما يسوغ فيها الاجتهاد.

أسأل الله أن يجمع القلوب على الهدى، وأن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يلطف بتركيا وجميع بلاد المسلمين؛ إنه الرحمن الرحيم، وأن يوفِّق أردوغان وجميعَ حُكَّام المسلمين للقيام بالتوحيد والسنة، وأن يكونوا رحمة على شعوبهم، وجزاكم الله خيرًا.