هل وقع خلاف بين الصحابة -رضي الله عنهم- في مسائل العقيدة؟


يقول السائل: هل وقع خلاف بين الصحابة -رضي الله عنهم- في مسائل العقيدة؟

الجواب:
أولًا / ينبغي أن يُعلم أن مسائل العقائد أمرها شديد، لأن الخطأ فيها في الغالب ما بين بدعة وسنة أو كفر وإسلام.
ثانيًا / ينبغي أن يُعلم أن مسائل العقائد مجمع عليها إلا نزرًا قليلًا للغاية، وقد جمع طرفًا من ذلك شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- وأوصلها إلى ما يقرب من عشر مسائل، ثم من هذه المسائل ما فيها إجماع قديم، وإنما حصل خلاف بعد ذلك، كمثل مسألة إذا نزل ربنا سبحانه وتعالى هل يخلو العشر أو لا يخلو؟ أو يُتوقف في هذه المسألة؟
وفي المسألة ثلاثة أقوال عند أهل السنة، لكن سبقهم إجماع قديم، وهو أن العرش لا يخلو، وقد ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق ونُعيم بن حماد الخزاعي وغيرهم من أهل العلم، كما بيَّن هذا ابن تيمية.
فإذن هناك مسائل فيها إجماع سابق، فلذلك هذه المسائل مع قلتها ففي بعضها إجماع سابق.
وأيضا هناك خلاف يُنقل في العقائد بين الصحابة أو من بعدهم، والخلاف فيه خلاف لفظي، ومن أمثلة ذلك: هل رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه؟
فقد بيَّن الدارمي في رده على الجهمية أنه لا خلاف بين الصحابة في هذه المسألة ، وذلك أن من أثبت الرؤية أراد رؤية القلب، ومن نفاها أراد رؤية البصر، فعلى هذا لم يُخالف ابن عباس بقية الصحابة، ونقل كلامه ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) و(بيان تلبيس الجهمية) وأقرَّه، ومثله ابن القيم في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية) وأقرَّه، وابن أبي العز الحنفي في شرحه على (الطحاوية).
وقد اختلفوا بعد الصحابة في إثبات الحد لله، فمنهم من أثبته ومنهم من نفاه، وهذا ليس خلافًا حقيقيًا بل خلاف تنوع، فمن أثبت الحد أراد معنًى، ومن نفاه أراد معنًى آخر، كما بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) وفي كتابه (بيان تلبيس الجهمية).
لذا هذا الخلاف القليل عند السلف ليس خلافًا مطلقًا، فينبغي أن يُنتبه إلى مثل هذا، لأني رأيت بعضهم ألَّف رسالة بعنوان: (المسائل العقدية التي تعددت فيها آراء أهل السنة والجماعة)، وقد زلق مزالق خطيرة في هذه الرسالة، وحاول أن يُوسِّع الخلاف.
وذلك من جهات أذكر بعضها باختصار:
الأمر الأول: أدخل في مسائل العقائد ما ليس منها، كمثل اختلاف العلماء في الحلف بغير الله، فهذه ليست مسألة عقدية، بل فقهية، وقد يُوردونها في كتب العقائد لكنها مسألة فقهية.
ومثل ذلك تعليق التمائم من القرآن فهي مسألة فقهية، وفرق بين أصل البحث في التمائم واتخاذ الشيء سببًا ولم تثبت سببيته وبين اختلافهم في نوع التميمة، فهذه ليست مسألة عقدية والخلاف فيها قديم بين السلف،
وأصل بحث العلماء لها موجود في كتب الفقه، وإن كان منهم من بحثها في العقائد.
الأمر الثاني: أن الرجل جعل ما زلَّ فيه بعض أهل السنة خلافًا، كمثل حديث الصورة الذي أخطأ فيه ابن خزيمة -رحمه الله تعالى-، فقد جعل هذا من الأمثلة على الخلاف في العقيدة بين السلف، وهذا خطأ، بل يقال :أخطأ ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- في هذه المسألة، وزلة العالم لا تكون خلافًا معتبرًا.
وكمثل خطأ ابن عبد البر في تأويل صفة الضحك، هذا أيضًا لا ينبغي أن يكون خلافًا معتبرًا، بل هذه زلة، وعند ابن عبد البر تأويلات أخرى، فلا يُجعل تأويل من تأوَّل من أهل السنة خلافًا معتبرًا، بل يُقال زلة وأخطأ في هذه المسألة.
والكلام على ما في الكتاب يطول لكن أردت أن يُتنبه إلى هذه الإشارات.
وبعد هذا الجواب على السؤال: [هل وقع خلاف بين الصحابة؟]
لم أر شيئًا صحيحًا ثابتًا في الخلاف بين الصحابة، فمما نُقل الخلاف بين الصحابة في الإسراء والمعراج بالجسد والروح، ونُقل عن معاوية وعائشة أنهما ذهبا إلى أن الإسراء والمعراج بالروح دون البدن.
وهذه المسألة ليست من مسائل العقائد، لذا الخلاف فيها قديم عند أهل السنة، ولم يُعاملوها معاملة مسائل العقائد، وهذا الشائع عند أهل السنة، وقد أوردها خلافًا ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيره، وذكره غيره. هذا أولًا .
ثانيًا/ الآثار المروية عن عائشة ومعاوية لا تصح أسانيدها، فأسانيدها ضعيفة عنهم.
ثالثًا/ ينبغي أن يُفرق بين مسألة الإسراء والمعراج بالروح وحده أو بالروح والبدن وبين الإسراء والمعراج منامًا، فإن هذا لم يقل به أحد من الصحابة ولا يصح نسبته إليهم كما بيَّن هذا ابن القيم في كتابه (الهدي)، وابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية، وأشار لهذا ابن جرير الطبري في تفسيره.
فإذن لا يصح أن تُجعل هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها الصحابة.
ومثل ذلك سماع الموتى للأحياء ، هذه أيضًا ليست مسألة عقدية بل هي مسألة فقهية، وفيها خلاف معتبر بين أهل السنة.
فأمثال هذه المسائل ينبغي ألا يُتوسع فيها، وإن وُجد من أهل السنة من جعلها مسألة عقدية باعتبار أنها ترجع للاعتقاد، لكن ليس معنى رجوع الشيء للاعتقاد أن يكون من مسائل العقائد التي تُقابل الفقهيات، فإن مباحث النية ترجع للاعتقاد، ولا يُقال إنها من العقائد التي تُقابل الفقه، بل هي تتعلق بالاعتقاد والقلب، ففرق بين الأمرين ولابد أن يُتنبه لمثل هذا.
فلم أر شيئًا صحيحًا ثابتًا عن الصحابة -رضي الله عنهم- رواية أو دراية في إثبات الخلاف بينهم في العقائد، وتقدم خلافهم في رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه وأن الخلاف في ذلك لفظي لا حقيقي.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.