هل من مختصر في أحكام قنوت الوتر؟


يقول السائل: هل من مختصر في أحكام قنوت الوتر في ثبوتها، والأدعية المشروعة، وموضعه من صلاة الوتر.

يُقَالُ جوابًا عن هذا السؤال: إنه يتعلق بأحكام صلاة الوتر مسائل، أذكر بعضها على عجالة سريعة، أسأل الله أن يعلِّمنا وإياكم ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، إنه الرحمن الرحيم.

المسألة الأولى: عدد ركعات الوتر، أقل الوتر ركعة؛ لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الوتر ركعة من آخر الليل»، وثبت في حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى»، وقد ذهب إلى هذا القول مالك والشافعي وأحمد، هذا أقل الوتر.

أما أقل كمال الوتر فهو أن يوتر بثلاث ركعات، كما ذهب إلى ذلك الشافعية والحنابلة، ويدل لذلك فتاوى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد أفتى بالوتر بثلاثة جمع من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كعمر وعلي، وابن مسعود وغيرهم، قد تقدَّم ذكر هذا فيما سبق من الأجوبة.

ومن أراد أن يوتر بثلاث فله صِفتان: إما أن يجمع الثلاث بتسليمة واحدة، وإما أن يشفع، ثم يوتر، كما هو المشهور مِن فعل الناس في هذا الزمن.

ويقرأ في الأولى بالأعلى، والثانية بسورة الكافرون، ويقرأ في الثالثة بسورة الإخلاص، كما ثبت عند النسائي وغيره من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وجاء من حديث أبي بن كعب، لكن صحَّح المزِّي وغيره أن الحديث من حديث عبد الرحمن بن أبزى -رضي الله عنه وأرضاه-.

وقد رأيت بعض المعاصرين وقع في قولٍ شاذٍّ، وقال: إنه لا يقرأ بسورة الأعلى، ولا بسورة الكافرون إلا إذا صلَّاها ثلاثة متَّصلة، أما لو صلى ركعتين، ثم سَلَّم، ثم أوتر بواحدة فلا يقرأ، وهذا قولٌ شاذٌّ، لم أرَ أحدًا سبقه إلى ذلك، بل كلام العلماء متوارِد على خلاف قوله، كالإمام أحمد وغيره، وكما هو ظاهر النص.

فالمقصود: أن أقلَّ كمال الوتر ثلاث ركعات، أما أقل الوتر فهو ركعة، كما تقدَّم.

وصلاة الوتر ثلاث ركعات، إما أن يصليها كصلاة المغرب بأن يجلس لها تشهّدين، أو أن يجلس لها تشهُّدًا واحدًا، فظاهر الآثار كأثر ابن مسعود وغيره أنها تصلى ثلاثًا كالمغرب، أي: أن يجلس لها تشهدين.

أما ما جاء عن أبي هريرة أنه: «لا توتروا بثلاثٍ، وتُشبِّهوا بالمغرب»، فهذا إن صح، وهذا جاء مرفوعًا لكن ضعَّفه ابن رجب وغيره، وإن صح موقوفاً فإنه يقال: أن أبا هريرة قد خالف عمر وغيره، وهؤلاء خلفاء راشدون مقدَّمون عليه.

والقول بأن يُجمَع بين أثر أبي هريرة سواء صح موقوفًا أو مرفوعًا وبين الأدلة التي دلت على الإيتار ثلاثًا بأن يوتر بتشهُّدٍ واحدٍ دون تشهُّدَين، لم أَرَ أحدًا سبق الحافظ ابن حجر إلى ذلك، وقد تبعه بعض المتأخرين.

وظاهر الآثار أنه يتشهَّد للثلاث بتشهُّدَين تمامًا كصفة صلاة المغرب.

وأيضًا مما يتعلق بالوتر: فمن أراد أن يقنت وأن يدعو، فله أن يدعو قبل الركوع أو بعد الركوع، كلاهما ثبت عن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فقد روى المروزي، وصححه العراقي في كتاب “إيضاح التثريب”: «أن أبا بكر وعمر كانوا يقنتان قبل الركوع، وأن عثمان كان يقنت بعد الركوع».

فلذا أصح أقوال أهل العلم أنه مخيَّر، وإن كان القنوت بعد الركوع أفضل، ويدل لهذا أن هذا هو الثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قنوته في النازلة في حديث أنس في الصحيحين.

والأصل عند العلماء أن ما ثبت في قنوت النازلة فإنه يُفعَل في قنوت الوتر، والعكس، إلا لدليل، كما يدل على ذلك صنيعُهم.

فبمقتضى حديث أنس وهو: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قنت بعد الركوع» يكون الأفضل القنوت بعد الركوع، وإن كان يصح القنوت قبل الركوع، وقد ذهب إلى هذا أيوب السختياني وأحمد في رواية، وذكر ابن يتيمة-رحمه الله تعالى- أن هذا قول فقهاء أهل الحديث.

وإذًا مَن قنت قبل الركوع فإنه بعد أن ينتهي من قراءته سورة الإخلاص أو غيرها لو قرأ غيرها، فإنه يستحب أن يكبِّر، ثم بعد ذلك يقنت، كما ثبت هذا عن عمر عند البيهقي، والبراء بن عازب عند عبد لرزاق، ولهذا ذهب أحمد في رواية، وهو قول عند الشافعي وعند الحنابلة.

وأما صفة ما يدعو في القنوت: فإنه يدعو بما يشاء، ولا يقال: بأن يدعو بالدعاء الحَسَن الذي جاء في حديثٍ حسنٍ: «اللهم اهدنا فيمن هديت» إلى آخره، لأن هذا الحديث لم يصح أنه في قنوت الوتر.

لذا ذهب الإمام أحمد في رواية، وهو القول عند الحنفية: أنه يدعو بما شاء، وله أن يدعو بما جاء عن عمر-رضي الله عنه- فيما روى ابن المنذر وغيره، لكن يدعو بما شاء، سواء بما جاء عن عمر أو غيره.

أما دعاء بـ«اللهم أهدنا فيمن هديت» إلى آخره بناء على أنه رُوِي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقال: إن الحديث لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن ذكر لفظ الوتر فيه شاذٌّ، لم يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

بل مما أنبّه عليه: أنه لم يصح حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قنوت الوتر، ذكر هذا الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن عبد البر، وابن القيم في كتابه “زاد المعاد”، فلذا لم يصح حديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قنوت الوتر، وإنما العمدة على الآثار المروية عن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكفى بها دليلًا.

وأيضًا مما يتعلق بالوتر: أنه يُستحبُّ عند الدعاء أن تُرفَع اليدان، ثبت هذا عن عمر-رضي الله عنه- عند عبد الرزاق في قنوت الناس له، وقد تقدَّم أن ما ثبت في النازلة يقال في الوتر على ما تقدم بيان تفصيله.

وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أن اليدين يُرفَعان.

وأيضًا مما يتعلق بالوتر، أن الوتر يبتدئ بعد صلاة العشاء، وينتهي بصلاة الفجر.

يعني: لو قُدِّر أنه دخل وقت الفجر، ولم يوتر، لكنه لم يصلِّ صلاة الفجر، فإن له أن يوتر إلى أن يصلي صلاة الفجر، وإن صلى صلاة الفجر انتهى وقت الوتر.

ويدل لهذا حديث أبي بصرة الغفاري عند أحمد قال: “صلاة الوتر من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر”.

وأيضًا دلت على ذلك الآثار عن صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما ثبت عن عائشة وعن عمر عند ابن أبي شيبه وابن المنذر، وعن غيرهم من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى قال ابن عبد البر: “لا خلاف بين الصحابة في ذلك”.

فإذًا، الأفضل أن وقت الوتر ينتهي بدخول الفجر الصادق، لكن لو لم يوتر لأي سبب وأراد أن يوتر كان له أن يوتر إلى أن يصلي صلاة الفجر.

هذه هي أشهر المسائل المتعلقة بالوتر.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يعينَنا جميعًا على ذِكرِه وشُكْرِه، وجزاكم الله خيرًا.