هل سابُّ الدين والرب يكفر قائله بمجرد سبه؟ أم أنه لابد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع؟

د. عبدالعزيز بن ريس الريس

يقول السائل: هل سابُّ الدين والرب يكفر قائله بمجرد سبه؟ أم أنه لابد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع؟

الجواب:
سابُّ الربِّ والدين لا يُعذر بجهله، بشرط أن يكون عالمًا أنَّ كلامهُ سبٌّ أو استهزاء، أما إن لم يكن عالمًا أنَّ كلامهُ سبٌّ أو استهزاء فلا يُكفَّر، كما بيَّن هذا ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول)، وابن القيم في (أعلام الموقعين).

ومثل ذلك ما يذكره كثيرٌ من المؤذنين في هذا الزمن من قولهم: “الله أكبار”. و(أكبار) جمع كَبَر، أي طبول؛ لأنَّ (أكبار) طبول جمع طبل، وهذه الكلمة كفرية، لكن كثيرًا من هؤلاء لا يعلمون أنَّ هذا الكلام سبٌّ لله سبحانه، ومثل ذلك قول بعض الناس: “لا حول الله” هذا اللفظ حقيقته نفيُ الحول عن الله، وهذا كفر، لكنهم لا يعلمون أنَّ هذا معنى كلامهم.

فإذن لا يُكفَّر الساب والمستهزئ إلا أن يعلم أنَّ كلامه سبٌّ أو استهزاء، ومن علِمَ أنَّ كلامه سبٌّ أو استهزاءٌ فسبَّ ثم تعذَّر بأنه جاهلٌ لا يدري أنَّ السبَّ كفرٌ مع علمه بأنَّ مدلول الكلام سبّ، فمثل هذا يُكفَّر، كما يُستفاد من كلام ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول)، والشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه (تيسير العزيز الحميد)، وذلك أنه لا يُتصوَّر تعظيم الرب وإجلاله وعبادته مع تقصُّد التلفُّظ بما هو سبٌّ واستهزاءٌ له، لذلك لا يُعذر هذا بجهله.

لكن لو كان مُكرهًا فإنه يُعذر بالإكراه، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: 106] روى عبد الرزاق أنها نزلت في عمار بن ياسر، وإن كان إسناده منقطعًا، لكن ذكر ابن عبد البر أنَّ العلماء على هذا. فعُذِرَ بالإكراه، فالإكراه عذرٌ في السبّ.

ولو سبَّ أو استهزأ بسبق لسان، أراد أن يقول كلامًا فسبقَ لسانهُ إلى كلامٍ آخر ولم يتعمَّد القول وإنما حصلَ له سبق لسان، فهو معذور كما في الصحيحين -واللفظ لمسلم- في قصة الرجل لما قال النبي ﷺ: «للهُ أشدُّ فرحًا بتوبة أحدكم …» ثم ذكر الحديث وفيه أنَّ الرجل قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك «أخطأ من شدة الفرح»، فهذا معذور لأنه حصل له سبق لسان ولم يتعمَّد القول.

فإذن الخلاصة: من سبَّ وهو يعلم أنَّ مدلول كلامه سبٌّ أو استهزاء فلا يُعذر بجهله كما تقدم تقريره، وقد سبق الجواب في هذا أكثر من مرة، أما لو كان مكرهًا فهو معذور، أما لو حصل له سبق لسان فهو معذور، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: 106].

وينبغي لنا أن نجتهد في تعليم المسلمين دينهم، فإنَّ كثيرًا من المسلمين يتناقلون هذه الألفاظ وينقلُ بعضهم عن بعضٍ، فينبغي أن نجتهد في تبيين ذلك للمسلمين، في خطب الجمعة، وفي الكلمات والمحاضرات، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم والمسلمين.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.


شارك المحتوى: