الموقع تحت التجربة ، نستقبل ملاحظاتكم واقتراحاتكم عبر اتصل بنا


هل جلسة الاستراحة مستحبة مطلقًا في الصلاة؟


هل جلسة الاستراحة مستحبة مطلقًا في الصلاة؟

 

يقال جوابًا على هذا السؤال: قد تنازع العلماء في حكم جلسة الاستراحة، منهم من يرى أنها مستحبة لذاتها، ومنهم من يرى أنها مستحبة عند الحاجة، أي: من احتاج إليها لضعف أو غير ذلك، وأظهر القولين –والله أعلم– أنها ليست مستحبة لذاتها، كما ذهب إلى هذا أبو حنيفة ومالك وأحمد وفي رواية.

ويدل لذلك أن هذا فهم صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم– كعمر وابن مسعود، ونقل النعمان بن البشير، كما ثبت عند ابن أبي شيبة عن الصحابة: أنهم كانوا يقومون على صدور أقدامهم، فما كان الصحابة يجلسون جلسة الاستراحة.

ولم يصح حديث في نقل جلسة الاستراحة إلا حديث مالك بن الحويرث الذي ذكره البخاري، أفاد هذا الإمام أحمد –رحمه الله تعالى–، وذكره ابن رجب في “شرحه على البخاري”.

إذا كان كذلك، فجلوس النبي –صلى الله عليه وسلم– بجلسة الاستراحة، ثم جلوس ابن عمر –رضي الله عنه– أيضًا لها ، هل جلوس النبي –صلى الله عليه وسلم– وابن عمر كان لأنَّ جلسة الاستراحة مستحبة لذاتها أو لحاجة؟ هذا هو محل البحث، الذي يظهر –والله أعلم– أن جلوس النبي–صلى الله عليه وسلم– كان لحاجة، لما كبر –صلى الله عليه وسلم– جسمه، وكثر اللحم عليه؛ لأن مالك بن الحويرث لم يزُرْه إلا في آخر حياته، لما كبر وكثر اللحم عليه –صلى الله عليه وسلم–، فبهذه القرينة، وهي أنه لم ينقل جلسة الاستراحة إلا مالك بن الحويرث، وهو ممن لم يأتِ النبي –صلى الله عليه وسلم– إلا في آخر حياته، وأن الصحابة كعُمر وغيره لم يجلسوا هذه الجلسة، ولم ينقلها غير مالك بسند صحيح، هذا فيه إشارة –والله أعلم– إلى أن جلوس النبي –صلى الله عليه وسلم– كان لحاجة، لا سيما أن النعمان بن البشير ينقل عن الصحابة أنهم ما كانوا يجلسون، أي: كانوا يقومون على صدور أقدامهم.

يبقى لقائل أن يقول: قد ثبت عن ابن عمر أنه جلس الاستراحة.

فيقال: صحيح، لكن ابن عمر علل في مواضع أخرى بأن رجليه لا تحملانه.

فإذن، الذي نقل عنه جلسة الاستراحة هو النبي –صلى الله عليه وسلم– في آخر حياته لما كبر وكثر اللحم، وابن عمر الذي ذكر عن نفسه في موضع أن رجليه لا تحملانه، فالذي يظهر من هذا –والله أعلم– أن النبي –صلى الله عليه وسلم– وابن عمر جلسا الاستراحة للحاجة.

وذكر ابن قدامة أن الجلوس لها لحاجة جائز بالإجماع، والدليل على هذا ما تقدم أن الصحابة –رضي الله عليهم– ما كانوا يجلسونها، وهم أحرص الناس على السنة، وكذلك لم ينقلها أحد بسند صحيح عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– غير مالك بن الحويرث الذي جاءه في آخر حياته.

فإن قال قائل: قد قال النووي –رحمة الله تعالى– قد قال: إن النبي –صلى الله عليه وسلم–قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ومالك بن الحويرث ذهب إلى الناس، ونقل لهم صفة صلاة النبي –صلى الله عليه وسلم– على حد قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وسينقل مالك بن الحويرث أن النبي –صلى الله عليه وسلم– كان يجلس جلسة الاستراحة، وهذه حجة قوية.

لكن يقال إن معنى حديث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، أي: افعلوا في الصلاة ما فعلت، فما فعلت على وجه الوجوب فافعلوه على وجه الوجوب، وما فعلت على وجه الاستحباب فافعلوه على وجه الاستحباب، وما فعلته لذاته فافعلوه لذاته، وما فعلت لغيره وليس مقصودًا لذاته فافعلوه لغيره، ولا تجعلوه مقصودًا لذاته.

وإذا فهم هذا المعنى لحديث مالك بن الحويرث، فيقال في جلسة الاستراحة: إنها داخلة في قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم–: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، لكن لِأني فعلتها لحاجة فافعلوها لحاجة، وأوضح ما يدل على ذلك ما تقدم ذكره، وهو أن الصحابة لم ينقلوه، بل كان جمهور الصحابة على خلاف ذلك إلا ابن عمر الذي ذكر في موضع آخر: أن رجليه لا تحملانه، ولم ينقل أحد عن النبي –صلى الله عليه وسلم– إلا مالك، ومالك لم يأتِ النبي –صلى الله عليه وسلم– إلا بعد أن كبر وكثر اللحم عليه –صلى الله عليه وسلم–، هذا الأظهر –والله أعلم–.

وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.