هؤلاء هم العلماء يا حفيد العلماء


هؤلاء هم العلماء يا حفيد العلماء

لقد اطلعت على مقال محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ في عدد صحيفة الجزيرة الصادر يوم الثلاثاء 19/7/1429هـ بعنوان: «أريد جوابًا واضحًا يا شيخ الفوزان»!!
فتعجبت من ذلك العنوان وزاد عجبي لما قرأت محتواه والأسلوب الغريب الذي انتهجه الكاتب في مناقشة ومحاورة عالم جليل من علمائنا الكبار, عند ذلك رفعت كفي وأمسكت قلمي لأذكر نفسي والكاتب وجميع قراء الجزيرة الغراء بمنزلة العلماء الأجلاء وورثة الأنبياء الذين رفع الله قدرهم وأعلى مكانتهم بقوله تعالى (يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات) قال ابن مسعود رضي الله عنه «مدح الله العلماء في هذه الآية» وقال القرطبي في تفسيره «والمعنى أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم» وقال سفيان بن عيينة: «أرفع الناس منزلة من كان بين الله وعباده هم الأنبياء والعلماء» وقا ل سهل التستري: «من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء فاعرفوا لهم ذلك».
وقال أيضاً: «لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم وإن استخفوا بهذين أفسدوا دنياهم وأخراهم».
وقال الإمام عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله ـ: «من أهان الأمراء ذهبت دنياه ومن أهان العلماء ذهبت آخرته».
ويروى عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل».
وقال عمر بن عبد العزيز: «إن استطعت فكن عالماً فإن لم تستطع فكن متعلماً فإن لم تستطع فأحبهم فإن لم تستطع فلا تبغضهم».
وذكر الإمام الآجري في كتابه «أخلاق العلماء» كلامًا جميلاً عن العلماء فقال رحمه الله :
(إن الله ـ عز وجل وتقدست أسماؤه ـ اختصَّ من خلقه من أحبَّ, فهداهم للإيمان, ثم اختص من سائر المؤمنين من أحبَّ فتفضل عليهم فعلمهم الكتاب والحكمة, وفقههم في الدين, وعلمهم التأويل, وفضلهم على سائر المؤمنين, وذلك
في كل زمان وأوان, رفعهم بالعلم, وزيَّنهم بالحلم, بهم يعرف الحلال من الحرام, والحق من الباطل, والضارُّ من النافع, والحسن من القبيح, فضلهم عظيم, ورثة الأنبياء, الحيتانُ في البحار لهم تستغفرُ, والملائكةُ بأجنحتها لهم تخضعُ, مجالسهم تفيدُ الحكمة, وبأعمالهم ينزجرُ أهلُ الغفلة, هم أفضل من العباد, وأعلى درجة من الزُّهاد, حياتهم غنيمةٌ, وموتهم مصيبةٌ, يُذكرون الغافل, ويعلمون الجاهل, من أطاعهم رشد, ومن عصاهم عند, ما أشكل على قضاة المسلمين من حكم فبقول العلماء يحكمون, وعليه يعولون, فهم سراج العباد, ومنارُ البلاد, وقوامُ الأمة, وينابيع الحكمة, مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء, يهتدى بها في ظلمات البرِّ والبحر, إذا انطمست النجومُ تحيروا, وإذا أسفر عنها الظلامُ أبصروا…).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
«فيجب على المسلمين بعد موالاة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن, خصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم».
ولأجل قدر العلماء في الإسلام وعلو شأنهم ومكانتهم فقد كانت لهم المنزلة العالية عند ولاة أمر بلادنا المباركة منذ عهد الإمام المؤسس الملك الصالح عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ـ رحمه الله ـ الذي كان يقدر علماء السنة تقديراً عظيماً ويحزن لوفاتهم حزنًا كبيرًا وكان من أقواله التي تكتب بماء الذهب: «وأما النصح لأئمة المسلمين فمنهم الأمراء ومنهم العلماء فأما الأمراء فالدعاء لهم بالتوفيق والصلاح ولزوم جماعتهم والسمع والطاعة لهم, وعدم الخروج عليهم ورّد القلوب النافرة إليهم وجمع كلمة المسلمين عليهم وأما العلماء فمحبتهم والإقتداء بهم وعدم مخالفتهم وتوقيرهم وعدم الاستهانة بهم وسؤالهم عما منّ الله عليهم من معرفتة» وعندما تكلَّم عن علماء السنة وفضلهم قال: «فمن والاهم وأحبهم فقد أحبَّ الله وكتابه ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم وخالف أهل البدع والضلال ومن دخل في قلبه ريب منهم فقد التبس عليه الحق وشارك أهل البدع والضلال».
ومن أقواله أيضًا ـ رحمه الله ـ: «بلغني أن أناسًا يعترضون على مشايخنا وعلمائنا فأما نحن ومشايخنا فلا عندنا شك في ديننا ولا حول ولا قوة إلا بالله».
ومن أقواله أيضًا ـ رحمه الله ـ :«فمن أفتى أو تكلم بكلام مخالف لما عليه الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأولاده: عبد الله, وعبد الرحمن, وعبد اللطيف, وعبد الله بن عبد اللطيف, فهو متعرض للخطر لأننا نعرف أنه ما يخالفهم إلا إنسان مراوز للشر والفتنة بين المسلمين».
ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب (اتحاف الأمة بخطابات أئمة آل سعود العامة إلى عموم الأمة).وقد سار على نهج الإمام المؤسس في تقدير العلماء أبناؤه البررة الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز ـ أعزه الله بالإسلام والسنة ـ وهم سائرون على هذا المنهج الأصيل دائماً وأبداً بحول الله وقوته.
وأما ما تطرق إليه الكاتب وفقه الله لهداه في مقاله المذكور وما بعده من مقالات بشأن بيانات شيخنا وعالمنا ووالدنا العلامة الفقيه ناصر السنة وقامع البدعة معالي الشيخ د. صالح بن فوزان الفوزان حول توسعة المسعى ودعوى الكاتب أن ذلك يخالف الطريقة الشرعية في مناصحة ولاة الأمور واعتراضه على الشيخ في كتابة ردوده ومقالاته على الأوراق الرسمية فأقول وبالله التوفيق:ـ
أولاً: توسعة المسعى من المسائل الكبار التي لا يتكلم فيها إلا الكبار والشيخ وفقه الله هو أجدر من يتكلم في هذه المسائل لسعة علمه ودقة فقهه وتمكنه من الفتوى المؤصلة المبنية على الكتاب والسنة, شهد له بذلك القاصي والداني وممن شهد له بذلك عالم الأمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ الذي كان يثق بعلم الشيخ ثقة كبيرة وكان قبيل وفاته يوصي الناس بسؤال الشيخ والرجوع إليه في الفتوى, وبمثل هذا كان يوصي العلامة الفقيه محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله, وقد حدثني أحد الثقات أنه سمع الشيخ محمد ـ رحمه الله ـ يقول: «إني ارتاح كثيرًا لفتاوى الشيخ صالح الفوزان», وكذلك ولاة أمرنا وفقهم الله فهم يجلون الشيخ ويعرفون قدره ومكانته العلمية الرفيعة حيث نقل لي أحد الاخوة في موسم حج العام الماضي أثناء زيارتي للشيخ في مقر إقامته بمنى أن أحد أصحاب السمو الملكي الأمراء زار الشيخ بصحبة أولاده وقال لهم «سلوا الشيخ فإنه أعلم أهل الأرض».
ثانياً: أن شيخنا ووالدنا الشيخ صالح الفوزان هو بقية السلف وحامل لواء الوسطية والأعتدال في هذا الزمان وقد تعلمنا منه كثيرًا منهج السلف الصالح والطريقة الشرعية المثلى لمناصحة ولاة أمورنا وفقهم الله ومعرفة حقهم وجلالة قدرهم والرد على دعاة التهييج والتكفير الذين يطعنون فيهم ويستبيحون الخروج عليهم وكان حفظه الله ولا يزال يصدع بهذا المنهج الأصيل في دروسه ومحاضراته وخطبه ومؤلفاته وفتاواه ومنها قوله: «لا يجوز الكلام في ولاة الأمور لأن هذا يحدث شراً وتفككاً في المجتمع ويفرق جماعة المسلمين ويبغض ولاة أمر المسلمين للرعية ويبغض الرعية للولاة ويوقع الشقاق والشر وقد يؤول إلى الخروج عن طاعة ولي الأمر وسفك الدماء وأمور لا تحمد عقباها».
ولما سلك بعض الدعاة مسالك ملتوية في النصيحة كمذكرة النصيحة العلنية
التي صدر قرار هيئة كبار العلماء بإنكارها, قال حفظه الله: «وليس من النصيحة أن نكتب انتقادات وندور بها على الناس ليوقعوا عليها ونقول هذه نصيحة!! لا هذه فضيحة هذه تعتبر من الأمور التي تسبب الشرور وتفرح الأعداء» ولما سُئل عن فتح لجان الحقوق الشرعية التي لم يأذن بها ولي الأمر قال ـ حفظه الله ـ: «لا يجوز لأحد من الرعية أن ينشىء لجانًا أو مشاريع تتولى شيئًا من أمور الأمة إلا بإذن ولي الأمر لأن هذا يعتبر خروجًا عن طاعته وأعتداء على صلاحياته ويترتب على ذلك الفوضى وضياع المسؤولية». وكان حفظه الله كثيراً ما يقرر لنا في دروسه ومحاضراته أن غيبة ولاة الأمر من أشد أنواع الغيبة ومن ذلك قوله: «أما من يتكلم في شأن ولاة الأمور عند الناس وعند الأعداء وعند الخصوم فهذا يجر شرًا ويُفرق الأمة وليس من النصيحة بل هو من التأليب على ولاة الأمور وهو من أشد أنواع الغيبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في معنى الغيبة «ذكر أخاك بما يكره» هذا مع عامة الناس فكيف بولاة الأمور؟!».
فهذا هو منهج الشيخ في مناصحة ولاة الأمور قديماً وحديثاً منهج سلفي واضح لم يتغير أو يتراجع بل كان راسخاً رسوخ الجبال, وهذه النقولات التي أوردتها هي جزء يسير من أقواله المتعددة التي لا تتسع لها صفحات الجزيرة.
وأما بالنسبة لفتاوى الشيخ ـ وفقه الله ـ المتعلقة بتوسعة المسعى فهي بيان حكم شرعي في هذه المسألة التي كثيراً ما يُسأل عنها في الدروس والمحاضرات وفي مكتبه برئاسة الإفتاء ولم يكن في وسعه إلا الجواب بما يعتقده وبيان الحق وعدم كتمانه عملاً بقول الله تعالى:( وإذ أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس مايشترون ) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: «وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم, فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئاً». وأما الإشكال الذي ردده الكاتب ـ وفقه الله لهداه ـ فقد نتج بسبب عدم تفريقه بين فتوى العالم لعامة الناس في نازلة من النوازل وبين النصيحة الموجهة لولي الأمر مباشرة أو التشهير بعيوبه على المنابر الذي هو منهج الخوارج والواجب التفريق بين الأمرين وعدم الخلط بين المنهجين.
ثالثاً: اعتراض الكاتب على الشيخ ـ وفقه الله ـ في كتابة الردود وأنها على أوراق رسمية فأقول أولاً إن كتابة الردود على المخالفين والحوار والمناقشة والتفاعل مع القضايا المطروحة في صفحاتنا المحلية منقبة عظيمة تميز بها الشيخ وفيها الدلالة الواضحة على حرصه على دينه ووطنه وشفقته بالكتاب الذين يجانبون الصواب فهو معهم بمثابة الوالد الرحيم مع أولاده الذي يستخدم معهم الرفق أحياناً والحزم أحياناً أخرى بدافع المحبة والشفقة عليهم .
ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية حينما قال: «المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى وقد لاينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين» .
وما أجمل ما ذكره الإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ في سير أعلام النبلاء عن أحد علماء السلف لما عوتب في تحذيره وكلامه في بعض المخالفين فقال لمن عاتبه:
«أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم, أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم ومن أطراهم كان أضرّ عليهم. فهذا هو الذي حمل الشيخ ـ وفقه الله ـ على كتابة الردود والمشاركة الإعلامية الإيجابية في صفحاتنا المحلية, وأما كون تلك الردود على أوراق رسمية فلا عجب في ذلك لأنها من صميم عمل العالم ودوره الواجب في وطنه ومجتمعه لاسيما وأنه لم يكتب عليها كتابات خاصة وإنما هي كتابات عامة لنفع القراء والمسلمين أجمعين.
وأخيراً فإني أنصح الكاتب محمد آل الشيخ ـ هداه الله ـ بالتروي والأناة في كتاباته وأن ينزل الناس منازلهم وأن يعرف للعلماء قدرهم وإذا وقع في خطأ فلا يتعصب لرأيه ويأنف من قبول الحق أو يردد مقولته السابقة «لن أتزحزح عن قناعاتي ومواقفي ولو سنتميتراً واحداً»!! بل عليه أن يرجع إلى الحق متى ما تبين له. فإن الرجوع إلى الحق فضيلة وهو خير من التمادي في الباطل, كما أنني أذكره بأمانة الكلمة ومسؤولية الكتابة فإن كل إنسان محاسب على قوله وعمله, وكل من كتب سيحاسب لا محالة على كتاباته يوم الجزاء والحساب إن خيراً فخير وإن شراً فشر ورحم الله القائل:
وما من كاتب إلا سيفنــى ويُبقي الدهرُ ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شي يسرك في القيامة أن تـــراه
وكم نتمنى أن نرى الكاتب هداه الله يسلك مسلك آباءه وأجداده من أسرة
آل الشيخ العريقة المحبوبة إلى قلوبنا حيث خرج منها العلماء الربانيون والدعاة المصلحون وعلى رأسهم علم الأعلام وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب الذي جدّد الله به الدين وجمع به كلمة المسلمين, وكان وأبناؤه وأحفاده عوناً ونصيراً لأئمة آل سعود الميامين في نصرة التوحيد والسنة والدفاع عن الدين.
مديرالمكتب التعاوني للدعوة والارشاد وتوعية الجاليات بالثمامة
وامام وخطيب جامع الأميرة حصة بنت عبدالعزبزبالرياض
عمر بن عبد الرحمن العمر
Omarw2@gmail.com