نرى أن في كثيرٍ من كتب السلف أنهم كانوا يشددون على أهل البِدع، ويردون عليهم، وما كانوا يجالسونهم، ونرى اليوم كثيرًا من الإخوان السلفيين يطبقون هذه الأحكام الشديدة على إخوانهم من أهل السنة استدلالًا بهذه الآثار من السلف، فهل استدلالهم هذا صحيح؟


يقول السائل: نرى أن في كثيرٍ من كتب السلف أنهم كانوا يشددون على أهل البِدع، ويردون عليهم، وما كانوا يجالسونهم، ونرى اليوم كثيرًا من الإخوان السلفيين يطبقون هذه الأحكام الشديدة على إخوانهم من أهل السنة استدلالًا بهذه الآثار من السلف، فهل استدلالهم هذا صحيح؟ وكيف يجاب عنهم؟

 

أولًا: ينبغي أن يُعلَم أن الشدة على أهل البِدع مطلبٌ شرعي، والأصل في ذلك ما أخرج الشيخان من حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ)).

والسلف قد أجمعوا على وجوب هجر أهل البِدع واحتقارهم، وإقصائهم إلى غير ذلك، كما قرر هذا أئمة السنة في كتب الاعتقاد، كالإمام أحمد في “أصول السنة”، وعلي المديني في “عقيدته في السنة”رواها اللالكائي، وذكر ذلك غيرُ واحدٍ من أئمة السنة.

فإذن؛ هذا التأصيل صحيح، لكن الخطأ يكون من بعض إخواننا أنهم ينزّلون هذا التأصيل على إخوانهم السلفيين، بحجة أن شيخهم فلانًا قد تكلم في فلانٍ إلى غير ذلك.

ويجب أن نعلم أن الأصل في أعراض الناس الحرمة، وأنه لا يجوز التسلط على أعراض الناس إلا بالبينة والبرهان، وأن التقليد لا يحل في الشريعة لمن عرف الحق، فلا يجوز لأحدٍ أن يفزع إلى التقليد وأن يدع الدليل، بل الواجب أن يُتبَع الدليل، فمن ظهر له الدليل لم يجز له أن يقلد أحدًا، مهما كان هذا الشيخ معظمًا.

فإنك ترى بعض إخواننا لا يبالي في مسائل الفقه أن يرُد كلام الإمام أحمد، أو الإمام الشافعي، أو الإمام مالك، أو غيرهم من أهل العلم بحجة أنه مخالف للدليل، ويُتصور أنهم يخطئون، ويقرّر هذا علميًا، ويطبّقه عمليًا.

وفي المقابل تعجب أنهم يقرّرون هذا علميًا، في بعض معظّميهم، لكن إذا جاء التطبيق العملي لا تراهم يطبّقون ذلك، ويتعصّبون لفلانٍ أو فلانٍ في تجريح فلانٍ، ولا يبالون بالحجة والبينة والبرهان، بل تراهم يتكلّفون في الحجة والبينة والبرهان، بحيث إنهم إذا وقعوا على أدنى حجة اتكئوا عليها.

وهم في الأصل معتمدون على جرح شيخهم، وترى هذه الحجة نفسها موجودةً في رجلٍ آخر، لكن شيخهم لم يجرحه، فتراهم ساكتين ،ولا يتكلمون في ذاك الرجل.

فيجب علينا أن نتقي الله، وأن لا نقلد أحدًا، وأن نطبّق هذه القاعدة العظيمة، وهو أن العبرة بالدليل، لا بقول الرجال، وأن الرجال يخطئون ويصيبون، ويجب أن نعتقد هذا عمليًا، وألا نغلو في أحد؛ فإن أكثر الخلاف الموجود في الساحة بين إخواننا السلفيين يرجع إلى أسباب، من أهمها : تعظيم الرجال والمبالغة فيهم.

أسأل الله أن يهديهنا إلى سواء السبيل، وأن يجعلنا وسطًا غير متشددين ولا متساهلين، وإنما لسبيل السلف متبعين، أنه الرحمن الرحيم.