نرجو منك بيان ضابط لتخصيص عبادة ما بشيءٍ لم يثبت في الشرع كتخصيصها بزمان أو مكان أو حال ما، متى يكون مشروعًا؟ ومتى يكون بدعة؟


يقول السائل: نرجو منك بيان ضابط لتخصيص عبادة ما بشيءٍ لم يثبت في الشرع كتخصيصها بزمان أو مكان أو حال ما، متى يكون مشروعًا؟ ومتى يكون بدعة؟

يُقَالُ جوابًا عن هذا السؤال: إن العبادة إذا شُرِعت باللفظ العام، واللفظ المطلَق؛ فإنه لا يصح أن تخصّص بزمان ولا بمكان إلا بدليل شرعي، وإنما ما شُرِع على الوجه العام والمطلَق يُفعَل على الوجه العام والمطلَق، وما شُرِع مخصَّصًا بزمان ومكان يفعل كذلك مخصَّصًا بزمان و مكان .

و ما جاء بصفة عامَّة أو مطلقة فتخصيصه بزمن معيَّن أو بسببٍ أو بحال إلى آخره، هذا من جُملَة البِدَع.

ومما يدل على ذلك: أن قيام الليل مستحب، لكن تخصيصه بيوم الجمعة منكَر، وكذلك الصيام مستحب ولكن تخصيص يوم الجمعة بالصيام منكَر؛ لما ثَبَت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تخصّوا ليلة الجمعة بالقيام بين الليالي، ولا يوم الجمعة بالصيام بين الأيام».

فإذًا، إذا ثبت كون الشيء مشروعًا من جهة الجملة؛ فإنه لا يصح أن يخصَّص بزمان أو مكانٍ أو سببٍ أو حالٍ إلا بدليلٍ شرعي.

ومِن ذلك ما ثبت عند الحاكم عن ابن عمر: «أن رجلًا عطس عند ابن عمر، قال: الحمد لله، والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال ابن عمر: «والله إني لأسلِّم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكن ما هكذا عَلَّمَنا»، أي: لا يصح لك أن تخصِّص السلام والصلاة عليه بالعطاس، إلى غير ذلك من أدلة.

فلذا ما جاء من عبادات على وجه الجملة فلا يصح أن يقيَّد، لا بزمان، ولا بمكان، ولا بحال إلا بدليل شرعي.

وقد بسط الكلام على ذلك العلماء الذين تكلمّوا في البِدَع كالطرطوشي، وأبي شامة، والشاطبي، وأكثَرَ الكلام في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه “القواعد النورانية”، وكتابه “اقتضاء الصراط المستقيم”، وكذلك ابن القيم في كتابه “إعلام الموقعين”، وفي كتابه “زاد المعاد” وفي غيره من كتبه –رحم الله جميع علماء الإسلام-.

فهذه قاعدة مهمة ينبغي أن تُضبَط، فما ترى من فعل بعض الناس أنهم يقرؤون سيرة النبي في يوم مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- المزعوم ، ويقولون: السيرة مطلوبة.

فيقال: فِعل ذلك من جملة البدع؛ لأن السيرة وإن كانت مطلوبة لكن تخصيصَها بزمانٍ من غير دليل شرعي، هو من جُملَة البِدَع.

إذًا، الضابط في ذلك ما جاء على وجه الإطلاق والعموم، وجاء على وجه الجملة، وجاء مشروعًا في الجملة فإنه يُفعَل على وجه الإطلاق والعموم، ولا يُقَيَّد بزمان ولا بمكان ولا بحال، ومَن قيَّده من غير دليلٍ شرعي بغير فهم سلفنا الصالح، فقد وقع في البدع.

أما ما جاء مقيَّدًا فإنه يُقيَّد، كأذكار الصباح التي قُيِّدت بالصباح، والمساء التي قُيِّدت بالمساء، وأذكار دخول الخلاء وأذكار الدخول إلى المسجد والخروج من المسجد قُيِّدت بأسباب فتُفْعَل، وهكذا عند أذكار النوم إلى آخره.

وكثيرًا ما تدخل البِدَع على المسلمين بإهمال هذا الأصل العظيم، وقد كتب الإمام أحمد رسالة في ذلك، وبيَّن أن البِدَع تدخل من هذا الباب، وقد نقل الرسالة شيخ الإسلام ابن تيمية كما في “مجموع الفتاوى”، وأظنّها موجودة في كتاب “السنن” للخلال.