مهمات في أحكام الأضحية في دقائق


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
إن من أعظم القُرب سفك دم بهيمة الأنعام لله رب العالمين، بأن يُسفك دمها وتُزهق نفسها تقرُّبًا لله، وقد قرن الله ذلك بأعظم عبادة عملية وهي الصلاة، فقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].
وإن أعظم ما يُتقرَّب به إلى الله من الذبح الأضحية، ومن عظيم أجر الأضحية أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- كان يُداوم عليها، أخرج الشيخان من حديث أنس -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُضحي بكبشين أملحين أقرنين.
وقد اختلف العلماء في وجوب الأضحية، وخلافهم في وجوبها يدل على أهميتها بحيث إن جمعًا من العلماء قالوا إن من كان قادرًا ولم يُضح فإنه آثم.
والأضحية إنما تكون ببهيمة الأنعام، بالإبل والبقر والغنم، ومما هو تابعٌ للبقر الجاموس، وما عدا ذلك لا يُضحى به، قال سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ﴾ [الحج: 28]، وهذه هي بهيمة الأنعام.
وقد ثبت عند البيهقي عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه لا يُضحى إلا ببهيمة الأنعام.
واعلموا إخوة الإيمان أنه لا يُضحى بأي عمرٍ وإنما قد شرعت الشريعة أعمارًا يُضحى بها، وهو:
الثني من الإبل
والثني من البقر
والثني من المعز
والجذع من الضأن
فلا يُذبح من الجذع شيءٌ إلا إذا كان ضأنًا.
أخرج الإمام مسلم من حديث جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تذبحوا إلا مُسنِّة» أي إلا الثني، «إلا أن تعسَّر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن».
فدل هذا على أنه لا يُذبح من الجذع إلا الضأن، أما المعز فإنه لا يُذبح إلا إذا كان من الثني، والجذع من الضأن ما بلغ من العمر ستة أشهر، والثني من المعز ما بلغ من العمر سنة، والثني من البقر ما بلغ من العمر سنتين، والثني من الإبل ما بلغ من العمر خمس سنوات، وما كان دون ذلك فإنه لا يُضحى به.
واعلموا أن الأضحية ليست في الفضل سواء، بل إن بينها تفاضلًا في لونها وغير ذلك، أما اللون فقد ذهب جمهور أهل العلم أن أفضل الأضحية أن تكون بيضاء، أو أن يكون أكثرها أبيض، لما تقدم في حديث أنس -رضي الله عنه- أنه ضحى بكبشين أملحين، والأملح هو الأبيض أو الذي أكثره بياض.
ومما يُستحب أن يُضحى به السمينة من الأضحية، وقد حكى الإجماع على ذلك النووي -رحمه الله تعالى-، ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل: أي الرقاب أفضل؟ فقال: «أكثرها ثمنًا وأنفسها عند أهلها».
وهذا يصدق على صور ومنها السمينة.
ويُستحب أن يُضحى بأضحيتين أو أكثر كما قرر هذا علماء المذاهب الأربعة، ويدل لذلك أن أنس بن مالك -رضي الله عنه- لما روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى بكبشين أملحين قال بعد ذلك: وأنا أضحي بكبشين.
فكلما أكثر الرجل من الأضحية فهو أفضل، بل ذهب جمعٌ من أهل العلم كالإمام أحمد أنه لو ضحى بأضحيتين وهما أقل من أضحية واحدة فإنه أفضل، لأن فيه تقربًا أكثر بسفك الدماء وإزهاق الأنفس لله سبحانه وتعالى.
ثم اعلموا أن لذبح الأضحية وقتًا، وهو أن وقتها يبتدئ بعد صلاة العيد، لما ثبت في الصحيحين من حديث جندب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فمن ذبح قبل الصلاة فهي شاة لحم»، أي أن هذه الذبيحة لا تُعد أضحية.
وقد أجمع العلماء على ذلك، وهو أن وقت الأضحية يبدأ بعد صلاة العيد.
ثم على أصح أقوال أهل العلم أن أوقات ذبح الأضحية يوم العيد، ويومان بعد ذلك، كما أفتى بهذا صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأنس، -رضي الله عنهم-.
أما حديث نبيشة الهذلي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب …»، فهذا فيه أنه لا يصح صيام أيام التشريق، لأنها أيام أكل ولا تلازم بين أن تكون أيام أكل وبين وقت الذبح.
فالذبح إنما يكون في يوم العيد وفي يومين بعد العيد.
واعلموا -علمني الله وإياكم كل خير- أنه لا يصح أن يُضحى بكل بهيمة أنعام، بل إن هناك عيوبًا تمنع من الأضحية، ثبت عند الخمسة من حديث البراء -رضي الله عنه- أنه قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: «أربعة لا تجوز في الأضحية» وفي بعض الروايات: «لا تُجزئ في الأضحية»، وهذا الحديث أصلٌ في بيان العيوب التي تمنع إجزاء الأضحية، قال -صلى الله عليه وسلم-: «العوراء البيِّن عورها» أي التي عورها ظاهر، لا التي عورها خفي.
وقال: «المريضة البيِّن مرضها»، أي التي يكون مرضها ظاهرًا لا أن يكون مرضها خفيًا، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: «والعرجاء البيِّن ضلعها» أي البيِّن عرجها بحيث إنها إذا مشيت مع السليمة تأخرت عنهن.
ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: «والكسيرة التي لا تُنقي» أي الهزيلة التي من هزالها وكبر سنها قلَّ المخ في عظمها.
هذه هي العيوب الأربع التي تمنع التضحية بما يصح التضحية به من بهيمة الأنعام.
وإن لذبح الشاة طريقة في الشريعة وهو أنه يُستحب عند ذبحها أن يُستقبل بها القبلة، ذهب إلى هذا المذاهب الأربعة وهو قول عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
ويُستحب أن تكون الأضحية على جانبها الأيسر، وعلى هذا إجماع أهل العلم، حكاه النووي -رحمه الله تعالى-.
ويُستحب عند التضحية بها أن يُقال: (بسم الله الله أكبر) كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنس -رضي الله عنه- المتقدم، فإنه لما أراد ذبح الأضحية قال: «بسم الله والله أكبر».
ويُستحب لمن أراد أن يذبح الأضحية أن يسُنَّ سكينه وشفرته، لما أخرج مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وليحُدَّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته».
ويُستحب أن يُقال على الأضحية: اللهم تقبل مني وممن أُضحي عنه. كما ثبت في مسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
ويستحب أيضًا أن يقال عليها: اللهم منك وإليك. كما ثبت عن ابن عباس عند البيهقي.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فإليكم تنبيهات تتعلق بالأضحية:
التنبيه الأول: إن كل نقص في الأضحية مكروه، لذا ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عند مالك في الموطأ أنه كان يكره أن يُضحي بما فيها نقص.
التنبيه الثاني: إن الأضحية إنما شُرعت للأحياء لا للأموات، فالأصل في الأضحية أنها تُذبح عن الأحياء لا عن الأموات، فإنما الأموات يُتصدق عنهم بالأموال وغير ذلك، ففرق بين الصدقة والتقرب إلى الله بإزهاق النفس وإراقة الدم كما في الأضحية، فإن الأصل في الأضحية أنها للأحياء لا للأموات، كما قرر هذا العلماء ومنهم شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى-.
التنبيه الثالث: الأفضل في الأضحية أن تُذبح في البيوت لا أن تُذبح في أماكن بعيدة، والسبب في ذلك أن في الذبح في البيوت إظهارًا لهذه الشريعة، وإحياءً لهذه السنة، فينشأ عليها الصغير من أهل البيت ويهرم عليها الكبير.

أسأل الله أن يتقبل منا أعمالنا وأضحيتنا، وأسأل الله أن يحينا على التوحيد والسنة وأن يميتنا على ذلك، أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، ويذل الشرك والمشركين.
وأقم الصلاة.