من المعلوم أن النوم ناقض من نواقض الوضوء، لكن ثبت عن الصحابة أنهم ناموا، وصلوا ولم يتوضئوا، فمتى يكون ناقضًا؟


من المعلوم أن النوم ناقض من نواقض الوضوء، لكن ثبت عن الصحابة أنهم ناموا، وصلوا ولم يتوضئوا، فمتى يكون ناقضًا؟

 

يقال: باتفاق المذاهب الأربعة، إن النوم مَظنة حدثٍ، وليس حدثًا، فليس النُوم كالريح، بمجرد وقوعه ولو قليلًا ينتقض الوضوء، وإنما هو مَظِنةُ حدثٍ، وليس حدثًا.

ويدل هذا ما يلي: أخرج النسائي والترمذي من حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه،((كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرًا أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابةٍ، لكن من غائط أو بول ونوم))، وهذا الحديث يدل على أن النوم ناقض، وظاهره يدل أن نَفس النَّوم ناقضٌ كالبول والغائط، لكن جَاءت السُنة بما يَدُل على خِلاف ذلك، وهو أنهُ مَظِنةُ حَدث.

ومن ذلك: حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام، ثم يقوم ويصلي، ولا يتوضأ، فلما سألته، قالت: قال: ((إن عيني تنام، ولا ينام قلبي)). فدل هذا على أنه مَظِنةُ حدثٍ، وليس حدثًا.

وكذلك مَا سيأتي: أن الصحابة ناموا وقاموا وصلوا، ولو كان حدثًا في نفسه كالبول والغائط والريح لتوضئوا -وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى-.

إذًا تَبين بهذا أن النوم مظنة حدث، وناقض من نواقض الوضوء، وعلى هذا المذاهب الأربعة كما تقدم بيانه، وهو الذي قررّه ورجّحه شيخُ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى-.

لكن عند القائلين بأن النوم مَظِنةَ حدث مُجِمعون على أن من نام مُضطجعًا فإن وضوءه قد انتقض، حكى الإجماع ابن قدامة – رحمه الله تعالى – .

إذا تبين هذا فإن النوم الذي يكون ناقضًا هو نوم المضطجع دون نوم الجالس، فإن نوم المضطجع ناقض بإجماع من يقول بأن النوم مظنة حدث كما تقدم.

ويَدل على التَفريق بين نوم الجالس والمضطجع ما ثبت عند عبد الرزاق وعند ابن المُنذر: أن ابن عمر رضي الله عنه فرَّق بينهما، وجعل النوم الناقض للوضوء هو نوم المضطجع دون الجالس، هذا قول الصحابي، ولم أقف على صحابي مخالفٍ لهُ ممن يقول بأن النوم مظنة حدث، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – في رواية، فقد ذهب إلى أن النوم الناقض هو نوم المضطجع دون الجالس.

ويُؤيّد هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس:((أن الصحابة كانوا ينتظرون الصلاة، فناموا، وتأخر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقاموا، وصلوا، ولم يتوضئوا)).

فهذا فيه ما يدل على أن النوم ليس حدثًا في نفسه، وفيه ما يشير إلى أن نوم الجالس ليس ناقضًا؛ لأن عادة أمثال هؤلاء أنهم يكونون جالسين.

فإن قيل: ألا يحتمل أنهم قد أضطجعوا لطول انتظارهم؟

فيقال: هذا محتمل، لكن يردُّه الأمران السابقان، وهو الإجماع الذي حكاه ابن قدامة، ونحن مأمورون أن نفهم الكتاب والسنة وآثار السلف بفهم أهل العلم، وألا نخرج عنه ولا نخرج عليه، وقد حكى ابن قدامة الإجماع على أن نوم المُضطجع نَاقض.

وأيضًا يدل لذلك أثر ابن عمر المتقدم، فإن فعل الصحابة محتمل؛ لكن ما ذكره ابن عمر صريح، فيُرَدُّ المحتمل إلى الصريح.

أسال الله الذي لا إله إلا هو أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه الرحمن الرحيم، وجزاكم الله خيرًا