مسألة التبرع بالكلى، ما القول فيها؟


مسألة التبرع بالكلى، ما القول فيها؟

 

هذه المسألة، وهي مسألة التبرع بالكلى، أو يُعبَّر عنها بتعبيرٍ أشمل، وهو نقل الأعضاء، فإن نقل الأعضاء يكون بالتبرع وبالمال، ويكون بالكلى وبغيرها.

أنبِّه في هذه المسألة إلى أن الإمام ابن باز والإمام الألباني والإمام ابن العثيمين – رحمهم الله تعالى- ذهبوا إلى حرمتها، وأنه لا يصح نقل الأعضاء، ولا التبرع بالكلى ولا بغيرها.

واعتمدوا في ذلك على أمورٍ، من أهمِّها:

أن الأعضاء ليست ملكًا للعباد حتى يصح لأحدٍ أن يتبرع بها.

ومما ذكروه، أو ذكره غيرهم ممن تكلم في هذه المسألة ممن لا يرى نقل الأعضاء: أن الله كرَّم بني آدم أحياءً وأمواتًا، فليس لأحدٍ أن يُمَثِّلَ بهم، لا أحياء ولا ميتين.

وكذلك كلام العلماء؛ علماء المذاهب الأربعة في حرمة تصرف الإنسان في أعضائه، ذكر هذا الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو ظاهر كلام المالكية إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة؛ لكن أظهرها أن الأعضاء ليست ملكًا للإنسان حتى يتصرف فيها، وإذا لم تكن ملكًا له لم يصح له أن يبيعها من باب أوْلَى؛ لأنه لا يباع إلا ما يُمْلَك، وهذا بإجماع أهل العلم.

فإذا تبين هذا، فمسألة نقل الأعضاء أو بيعها إلى آخره كلها غير جائزة.

وأقوى ما اعترض به بعض المعاصرين في تجويز أمثال هذه الأمور: بأن نقل الأعضاء من إنسان إلى إنسان، أو بيع إنسانٍ لإنسانٍ مُحتاج إلى غير ذلك، أن هذا من الضرورة؛ لأن الكلى مثلًا إذا لم تنقل إلى فلان المحتاج إليها فقد يؤدي به إلى الموت أو إلى ضررٍ شديد.

والجواب على هذا، وظَنِّي أن هذا الجواب هو مفتاحٌ في معرفة الراجح في هذه المسألة، وهو أن الضرورة لا تدخل في باب التداوي؛ لأن التداوي بإجماع السلف لا يصل إلى درجة الوجوب، حكى الإجماعَ ابنُ عبد البر وشيخُ الإسلام ابن تيمية، ثم ذكر ابنُ تيمية أن بعض المتأخرين من الشافعية وغيرهم خالف، وهؤلاء محجوجون بالإجماع السابق.

فإذًا: إذا تبين أن التداوي لا يصل إلى درجة الوجوب، فإذًا لا يتصور فيه الضرورة.

فعليه لا يصح أن يقال: إن هذا من باب الضرورة، وأيضًا لا يصح أن يقال: أنه من باب درء مفسدة كبرى بمفسدة صغرى؛ لأن هذا ليس ضرورة، ويقابله أنه تصرفٌ فيما لا يُملَك كما تقدم.

أيضًا لا يقال: إن هذا داخل في عموم الصدقة؛ لأن المتبرع لا يملك هذا العضو حتى يتصدق به، إلى غير ذلك.

لكن أنبه إلى أنه يستثنى مما تقدم أمران:

الأمر الأول: التبرع بالدم، فلم أر أحدًا من علمائنا المعاصرين منع التبرع بالدم، هو المعروف والمشهور عن علمائنا أنهم يجوِّزون التبرع بالدم.

والتبرع بالدم يختلف عما تقدم، ويوضِّح ذلك أن الشريعة جاءت بالحجامة، والحجامة إخراجٌ للدم لأجل التداوي، فدل على أن أمر الدم مختلفٌ عن غيره، فلذا إذا جاز أن يُخرَج الدم لأجل التداوي جاز التبرع به.

الأمر الثاني: نقل شيء من الإنسان نفسه من جهةٍ إلى جهة كالجِلد مثلًا، فمثل هذا جائز، ويوضِّح جوازه أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم((كوى بعضَ الصحابة)).

فكَيُّهُ لبعض الصحابة يتضمن علاج ما احتيج إلى كَيِّه، ثم فيه إضرارٌ بالجِلد المحيط به لأجل العلاج، فإذا جاز الإضرار بالجِلد السليم لأجل العلاج جاز نقله من مكانٍ إلى مكانٍ لأجل العلاج.

وهذه إشارات في هذه المسألة، وأردت به أن يُعْرَف أنه ليس مِنَ المُسَلَّمات أن يقال بجواز التبرع بالأعضاء، وأن يُعرف أن علماءنا الأجلاء كالإمام ابن باز والألباني وابن العثيمين لا يرون جواز نقل الأعضاء، ولا جواز التبرع بها، ولا جواز بيعها من باب أَوْلَى.