ما هي صفة صلاة الجنازة؟ وما حكم الصلاة على الغائب؟


يقول السائل: ما هي صفة صلاة الجنازة؟ وما حكم الصلاة على الغائب؟

يُقال جوابًا عن هذا السؤال: أما صفة صلاة الجنازة، فأوسع ما جاء في بيان صفة صلاة الجنازة ما ثبت عند البيهقي عن أبي أُمامة بن سهل الساعدي رضي الله عنه، أخبر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ” أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخلص الدعاء للجنازة، في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه “.

ففيه ترتيب صلاة الجنازة على ما تقدم ذكره، إلا أن لصلاة الجنازة أركانًا ستة:

الركن الأول: القيام مع القدرة، وذلك كبقية الصلاة، كما قال تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة:238].

الركن الثاني: التكبيرات الأربع، وهذه تكبيرات مجمع عليها، ذكر ذلك النووي رحمه الله تعالى.

والركن الثالث: قراءة الفاتحة، وهذا على أصح أقوال أهل العلم؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث عبادة: «لا صلاة لمن لا يقرأ بأم القرآن».

الركن الرابع: الدعاء، وعلى هذا المذاهب الأربعة، ويدل لذلك أن صلاة الجنازة شرعت لأجل الدعاء.

والركن الخامس: السلام، وهذا عليه الإجماع، حكاه ابن عبد البر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه فيما ثبت عند ابن أبي شيبة يذكر في الصلاة عمومًا قال: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، ومن ذلك: صلاة الجنازة.

والركن السادس والأخير: الترتيب، وهو ركن كبقية الصلوات.

وما عدا ذلك فإنه مستحب.

فإذا كبَّر فإنه لا يشرع له أن يدعو دعاء الاستفتاح؛ لأنه لم يصح في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما بين ذلك الإمام أحمد وابن المنذر، وإنما يبدأ مباشرة بقراءة الفاتحة.

وأيضًا لا يقرأ سورة قصيرة بعد الفاتحة، لا يقرأ شيئًا بعد الفاتحة من القرآن؛ لأنه لم يثبت حديث في ذلك، وإنما يقتصر على قراءة الفاتحة.

ثم يكبر، فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأكملُ الصلاة هي الصلاة الإبراهيمية، اللهم صل على محمد وعلى آله محمد إلى آخره، ولو اقتصر على قوله: اللهم صل على محمد أجزأ، لكن الأفضل هو أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية.

وأيضًا يستحب له إذا اتسع الوقت أن يدعو بعد التكبيرة الثانية، بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ذهب إلى هذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ويدل لذلك أن أبا أُمامة بن سهل الساعدي فيما نقله عن الصحابي قال: «ويدعو في التكبيرات»، فإذًا يستحب الدعاء في مثل هذا.

ثم إذا كبر التكبيرة الثالثة يدعو، وقد جاءت في ذلك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر منها صحيحًا إلا ما أخرجه مسلم من حديث عوف بن مالك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، فحفظ من دعائه : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ»، إلى آخره.

أما «اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وكبيرنا، وصغيرنا، وحاضرنا، وغائبنا» إلى آخره فهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن، وهو حديث ضعيف، كما ضعفه الإمام البخاري وغيره، لكن صح لفظه عن عبد الله بن سلام عند ابن أبي شيبه رضي الله عنه.

فإذًا يكون مستحبًا بناء على صحته عن الصحابي، وله أن يدعو بما شاء.

فإذا كبر التكبيرة الرابعة، فعلى أصح أقوال أهل العلم يدعو، كما ثبت عند البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، أنه دعا للميت.

فإذًا يستحب الدعاء في مثل هذه الحال، أي في الرابعة لثبوته عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه، ويؤكد الاستحباب أن صلاة الجنازة شُرِعَت لأجل الدعاء، فإذا كان كذلك فإنه يستحب له أن يدعو، هذه ملخص الأحكام المتعلقة بصلاة لجنازة.

أما ما يتعلق بالصلاة على الغائب: فأصح أقوال أهل العلم – والله أعلم- أن الصلاة على الغائب خاص بالنجاشي، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وذلك أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى على أحد صلاة الغائب، ولم يثبت عن الصحابة أنهم صلوا على أحد صلاة الغائب.

بل الصحابة الذين ماتوا ولم يكونوا في المدينة، وكانوا خارجها لم يصلِّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب، ولم يصلِّ عليهم أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي.

فوجود المقتضي للصلاة ولم يصلوا دل على أنه خاص، مثل التبرك بالصالحين لا يصح أن يقاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يقال خاص به؛ لأن الصحابة لم يتبركوا بغيره صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصلاة على الغائب أصح أقوال أهل العلم – والله أعلم- أنها خاصة بالنجاشي.

وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية، وهو قول جماهير أهل العلم كما عزاه إليهم ابن رشد.

هذا ملخص الجواب عن هذا السؤال.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما يَنْفَعَنَا وأن يَنْفَعَنَا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.