ما ضابط التفريق بين البدعة والمصلحة المرسلة؟ وهل وضع الخطوط لتسوية الصف من البدع؟


يقول السائل: كيف نرد على من يخلط بين المصلحة المرسلة والبدعة الحسنة ردًا علميًا ونأخذ مثالًا على ذلك، ألا وهو تخطيط الخطوط في المساجد لأجل تسوية الصفوف؟

الجواب:
إن الاشتباه بين البدعة المحرمة والمصلحة المرسلة اشتباه قوي، وقد فصل ذلك وبيَّنه بيانًا شافيًا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) وذكر مثل هذا في أكثر من موضع من (مجموع الفتاوى).

وخلاصة الأمر أنه ذكر -رحمه الله تعالى- أنه لا يُقدم أحد على شيء إلا لظنه أن فيه مصلحة، وهذا الذي أقدم عليه قد يكون بدعة وقد يكون مصلحة مرسلة، والضابط في هذا أن يُنظر إلى ما يلي:
الأمر الأول: المقتضي لهذا الفعل، يعني ما السبب المُحوج لهذا الفعل؟
الأمر الثاني: المانع من الفعل.

يقول -رحمه الله تعالى-: إذا كان المقتضي للفعل موجودًا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا مانع يمنعهم من فعل هذا الأمر فإن مثل هذا لا يُفعل وهو بدعة وليس مصلحة مرسلة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه.

إذن إذا كان المقتضي موجودًا في زمانهم ولا مانع يمنعهم فإن فعلنا لمثل هذا بدعة وليس مصلحة مرسلة، أما لو لم يكن المقتضي موجودًا في زمانه -صلى الله عليه وسلم- كجمع القرآن، فإن المقتضي لم يكن موجودًا في زمانه فلا يُخشى ذهاب القرآن وهو موجود -صلى الله عليه وسلم- لكن لما قُتل القرُّاء السبعون أشار عمر على أبي بكر أن يجمع القرآن، فإن المقتضي وُجد في عهد الصحابة ولم يكن موجودًا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فمثل هذا لا يُقال بأنه بدعة.

أو وُجد المقتضي في زمانه لكن هناك مانع يمنعه، كالأذان في مكبرات الصوت وإلقاء الدروس في مكبرات الصوت، إلى غير ذلك، فإن مثل هذا لا يُقال إنه بدعة بل يُقال إنه مصلحة مرسلة؛ لأن هناك مانعًا كان يمنع النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته أن يفعلوه، فمن ضبط مثل هذا انجلت له مسائل كثيرة يحصل فيها التباس هل هي من المصالح المرسلة أو البدع المحدثة.

وأنبه إلى تنبيهين:
التنبيه الأول: قال ابن تيمية: إن ذنوب العباد ليس مُبررًا ولا مُسوغًا لتغيير دين الله، فلو قال قائل: إن العباد اليوم لا يتأثرون بالقرآن فإذن نُحدث لهم كذا وكذا. يقول -رحمه الله تعالى-: إن ذنوب العباد ليس مبررًا بل يُؤمر العباد أن يرجعوا إلى دين الله، ولا يُغير دين الله لأجل الناس.

التنبيه الثاني: ينبغي أن يُعلم أن البحث في العبادات أو وسائل العبادات، فإن البدعة تدخل في وسائل العبادات كما تدخل في العبادات، ويدل على هذا هدي السلف -رضي الله عنهم- فقد ثبت عند الدارمي وابن وضاح أن ابن مسعود دخل المسجد فرأى أقوامًا حلقًا يسبحون الله مائة ويكبرون الله مائة بحصى معهم يعدون التكبير والتسبيح …إلخ، فأنكر عليهم عبد الله بن مسعود وبيَّن لهم أن هذا الأمر محدث، مع أن هذه وسيلة، فدل هذا على أن البدع تدخل في الوسائل كما تدخل في الغايات، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

وقد زلَّ الشاطبي في كتابه (الاعتصام) وذكر أن البدع لا تدخل في الوسائل، وهذا خطأ كبير ومخالف لما عليه سلف هذه الأمة.

بعد هذا، ما سأل عنه السائل من وضع الخطوط في المسجد لأجل ضبط الصف، فإن مثل هذا على التأصيل المتقدم بدعة محدثة وليست مصلحة مرسلة، وقد كان يُفتي بهذا العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- والسبب ما تقدم ذكره: أن المقتضي لفعله كان موجودًا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، ولا مانع يمنعهم، فلو كان خيرًا لسبقونا إليه، بل إن هذه الخطوط ما عرفها المسلمون إلا من ثلاثين سنة تقريبًا وما كانت معروفة، لم تدخل علينا إلا قريبًا من ثلاثين سنة تقريبًا، أما قبل ذلك ما كانت معروفة.

فلذا ينبغي أن يُحذر مثل هذا وأن يُؤمر الناس بما أمرت به الشريعة وأن يتراصوا وأن يضعوا الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب كما جاءت به الشريعة.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.