ما صحة القول بأن دعوى الإجماع في مسائل العقيدة يصعب ضبطه؟


يقول السائل: ما صحة القول بأن دعوى الإجماع في مسائل العقيدة يصعب ضبطه؟ لأنك قد ترى بعض الأشاعرة يذكرون الإجماع على اعتقادهم مثلًا؟

الجواب:
ينبغي أن يُعلم أن الإجماع حجة في الدين، والأدلة على حجية الإجماع كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: 115] إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة.

وإذا كان الإجماع صحيحًا فهو حجة، وعلامة الإجماع الصحيح الذي لا يكون مخرومًا في زمانه، أي أجمع العلماء واستقر الإجماع منذ أن أجمع العلماء فإن إجماعهم حجة، ومن خالف بعد ذلك فهو محجوج بالإجماع السابق، وهذا الإجماع كثير في العقائد، وذلك أن الإجماع حجة وقد حفظ الله الدين، وحفظ أدلته الذي به تقوم الشريعة، ومن ذلك الإجماع في مسائل العقائد، وهي كثيرة بل أكثر العقائد إلا نزرًا قليلًا مجمع عليه.

بل إن العلماء إذا كتبوا في الاعتقاد فالأصل فيما يقررونه في الاعتقاد أنه مجمع عليه عند أهل السنة، وهذا هو الأصل.

فإذن قول القائل: يصعب ضبطه. يُقال: هذا فيه نظر، بل قد ضبطه العلماء والحمد لله.
أما قوله: [لأنك قد ترى بعض الأشاعرة يذكرون الإجماع على اعتقادهم مثلًا] فيُقال: فرق بين المتكلمين كالأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والجهمية، وبين أهل السنة، أما المتكلمون فإن مذهبهم ودينهم باطل وهو مخالف لإجماع السلف، فلذلك إجماعاتهم ضالة ولا يصح لهم الإجماع على عقائدهم البدعية الضالة، بل كل ما زعموا أنه مجمع عليه فهو خطأ قطعًا، لأن الإجماع الأول على خلافه، ولأن عقيدتهم عقيدة بدعية.

وقد ذكر ابن تيمية في (التسعينية) أن المتكلمين متساهلون في حكاية الإجماع على اعتقادهم، ومن أمثلة ذلك: أن الرازي -وهو إمام الأشاعرة المتأخرين- ذكر أن العرض لا يبقى زمانين، وحكى على ذلك الإجماع في كتابه (المحصل لأفكار المتقدمين والمتأخرين)، وطار فرحًا بهذا الإجماع وبنى عليه الشواهق الكبيرة، وبعد ذلك في كتابه (معالم في أصول الدين) خالف هذا الأمر، ولم ير أن العرض يبقى زمانين، فضلًا على أنه مجمع عليه.

لذلك لا يُعتد بإجماع المتكلمين، وكل ما انفردوا به من الاعتقادات البدعية فهي قطعًا خطأ ومخالف للإجماع، فكيف يُدعى عليها الإجماع؟
وقد بيَّن ابن تيمية تساهلهم كما تقدم في كتابه (التسعينية).

أسأل الله أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.