ما رأيك بكتاب تاريخ ابن غنام وخاصة في كلامه عن الغزوات؟


يقول السائل: ما رأيك بكتاب تاريخ ابن غنام وخاصة في كلامه عن الغزوات؟

الجواب:
إن كتاب ابن غنام من أحسن الكتب التي حكت تاريخ الدولة السعودية الأولى، فقد كان حاضرًا لها، فتاريخه أعلى تاريخ في هذا وأوثق تاريخ، وهو من أحسن التواريخ.

لكن بعض الناس لجهله صار يعترض على تاريخ ابن غنام، وتاريخ ابن بشر، وأمثالهما لأنه يرى فيهما تكفيرًا لأهل المدينة الفلانية، أو تكفيرًا لأناس، فيستغرب أن مثل هؤلاء يُكفرون وهم قد يكونون من بلد معروف في نجد، إلى غير ذلك.

فمما ينبغي أن يُعرف أن هذه المسائل مسائل شرعية لا مسائل عاطفية ولا مسائل تاريخية، لذا رأيت من هو ضعيف في العلم يعترض على مثل هذا بأن يستنكر عليه بعاطفته، أو بما يستبشعه، إلى غير هذا.

وهذا خطأ كبير، فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- من أقل الناس تكفيرًا، وهو لا يُكفر إلا بحق وباجتهاد -رحمه الله تعالى-.
لذا ذكر عن نفسه كلامًا عظيمًا في هذا الباب، وذكر أنه لم يُقاتل أحدًا ابتداءً، وإنما قاتل أول الأمر دفاعًا عن النفس وعن الحرمة، كما في المجلد الأول من (الدرر السنية).

ولكن كثيرًا من الناس يجهلون أمرين:
– الأمر الأول: التأصيل الشرعي في مسائل التكفير.
– الأمر الثاني: واقع دعوة الشيخ -رحمه الله تعالى-.

أما التأصيل الشرعي، فينبغي أن يُعلم أن التكفير نوعان؛ تكفير بحق وتكفير بغير حق، والتكفير بحق هو من كفره الله ورسوله، بأن وقع في ناقض من نواقض الإسلام، فإنه يرتد ويكفر، كما قال سبحانه: ﴿ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ﴾ [التوبة: 74]، وقال سبحانه: ﴿ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 66].

وكتب العلماء من علماء المذاهب الأربعة وغيرهم باب حكم المرتد، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه.
إذن يُوجد بدلائل الكتاب والسنة وإجماع علماء الملة أن الرجل قد يكفر بعد إسلامه، وذكر العلماء مُكفرات كثيرة، وكثير منها مكفرات عملية.

فإذا كان كذلك فإن الرجل يكفر بعد إسلامه إذا وقع في مُكفر وتوافرت في حقه الشروط وانتفت عنه الموانع، ومثل هذا لا يُستنكر، فقد يكون الرجل قوامًا بالليل صوامًا بالنهار فيدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، فمثل هذا يكفر بعد إسلامه، أو قد يسب الله أو رسوله أو يلعن الرب سبحانه -أعوذ بالله- كما هو شائع الآن في بعض بلاد المسلمين، إذا أُغضب أحدهم قال: “يلعن ربك” …إلخ، وهذا كفر لا شك فيه، إلى غير ذلك من المكفرات الكثيرة.

وكثير من الناس يجهل أمثال هذه الأحكام، ولتقريب هذا الأمر فإن الوضوء والطهارة قد ينتقض، وذلك إذا وقع في ناقض، ومثل ذلك يُقال في الإسلام، من أسلم ثم وقع في ناقض من نواقض الإسلام، فإن إسلامه ينتقض كما أن الطهارة تنتقض إذا وقع في ناقض، هذا من جهة التأصيل الشرعي.
أما الأمر الثاني: واقع دعوة الشيخ -رحمه الله تعالى- أنها دعوة توحيد وسنة، وقد شاع في زمانه في نجد وغيرها بل في أكثر بلاد العالم الإسلامي كما ذكر الشيخ نفسه وذكره تلاميذه، وذكره المؤرخون؛ بل ذكره المؤرخون العرب من غير أهل نجد، كالشوكاني اليماني، وذكر هذا أيضًا العراقيون، بل وذكر ذلك بعض المستشرقين وأرَّخوا لنجد وغيرها من دول العالم الإسلامي وذكروا ما فيها من انتشار الشرك.
فلما خرج الشيخ في هذه الأزمان التي شاع فيها الشرك، دعا إلى التوحيد، وأرسل الرسائل للحكام، وعلم الناس توحيد الله، فمن أبى ذلك من قرى نجد ومدن نجد، وأصر أن يدعو غير الله، فقد قاتلهم، فمن أصر على ذلك فإنه إذا قُوتل يكون كافرًا بعد إسلامه.
كما حصل لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- فإن كثيرًا من العرب تركوا دفع الزكاة لما مات النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالتهم أبو بكر الصديق على ترك الزكاة، والصحابة قد أجمعوا على أن هؤلاء ارتدوا بعد إسلامهم، فقتالهم على ترك الزكاة وجعلوهم مرتدين.
فإذا كان كثير من العرب ارتد بعد إسلامه في القرن الأول، فكيف إذا كان الأمر في هذه الأزمان المتأخرة، وليس في قتال على ترك زكاة بل في قتال على ترك التوحيد وأصل الأصول الذي أرسل الله به الرسل، ومنهم رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-.
فأدعو من يقرأ هذا الكتاب وغيره أن يتفقه في دين الله تفقهًا مبنيًا على الكتاب والسنة، وما عليه سلف هذه الأمة، ثم بعد ذلك أن ينظر في الواقع نظر تجرد، وألا تأخذه الحمية ولا العصبية، فإن الحمية والجهل في هذا الأمر ضاران للغاية.
أسأل الله أن يجزي الإمام شيخ الإسلام عنا خيرًا، فقد جاهد في الله جهادًا عظيمًا حتى تهيأت لنا هذه الدولة المباركة الدولة السعودية، وهي قائمة على توحيد الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى محاربة الشرك والبدع.

أسأل الله أن يغفر لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وللإمام محمد بن سعود، ولمن بعد ذلك من حكام بلادنا وعلماء بلادنا، وللمسلمين أجمعين، إنه الرحمن الرحيم، وجزاكم الله خيرًا.