ما رأيكم في كتاب “صفة الصلاة” للشيخ عبد العزيز الطريفي؟


ما رأيكم في كتاب “صفة الصلاة” للشيخ عبد العزيز الطريفي؟ قد علمت أن لكم ردًا مسجلًا، فآمل إرساله على القناة حتى نتمكن من نشره؟

 

وجوابًا على هذا السؤال أن يقال: قد تقدم وردَّدْتُ على عبد العزيز الطريفي، والرد موجود في يوتيوب الإسلام العتيق، وفي موقع الإسلام العتيق، لكن الردٌّ عام ليس خاصًا بكتاب “صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم”، وإن كنت قد ذكرت بعض الأشياء في هذا الكتاب.

وهذا الكتاب فيه ملاحظات، فيه فَهْم خطأ لبعض مسائل أهل العلم، وإحداث لبعض الأقوال التي لم يُسبق إليها، وتصحيح لبعض الأحاديث الضعيفة، وسأشير إلى شيء من هذا على عجالة سريعة بطبيعة الإجابة في هذه القناة.

أنَّ مما في هذا الكتاب أنه ذكر: أن ترك الصلاة كفر بإجماع الصحابة والتابعين، ذكر هذا في الصفحة السادسة، ثم ذكر بعد ذلك: أن الزهري قد خالف وهو من التابعين.

إذن بهذا يتبين أنه ليس في المسألة إجماع من جهة التابعين، أما إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة فقد حكاه المروزي وغيره، لكن القول بإجماع الصحابة شيءٌ، والقول بإجماع التابعين شيء آخر مع اعترافه أن الزهري –رحمه الله تعالى- وهو من أئمة التابعين قد خالف في ذلك، كما رواه عنه المروزي رحمه الله بإسنادٍ صحيح، وذهب الزهري –رحمهم الله تعالى- إلى أن تارك الصلاة ليس كافرًا.

وأيضًا مما رأيته من الخطأ عنده في الفهم: أنه في الصفحة التاسعة عشرة نقل كلامًا لإسحاق بن راهويه، يحكي إجماع العلماء على كُفر تارك الصلاة.

وينبغي أن يُعلم إخواني: أن هذا الإجماع الذي حكاه ابن راهويه على كُفر تارك الصلاة إجماع مخروم قطعًا.

فإن إسحاق بن راهويه يحكى أن العلماء مجمعون على كُفر تارك الصلاة، يقول: من ترك صلاة الظهر حتى يخرج وقت العصر، ومن ترك صلاة المغرب، حتى يخرج وقت العشاء، ذكر إسحاق بن راهويه –رحمه الله تعالى- أن من فعل ذلك فهو كافر بإجماع العلماء إلى زمانه.

هذا الإجماع من إسحاق ابن راهويه قطعًا مخرومٌ بما تقدم ذكره عن الزهري، وبما ذهب إليه الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد في رواية، إلى أن تارك الصلاة ليس كافرًا.

إذن هذا الإجماع المخروم لا يصح الاعتماد عليه، والذي ترتب على هذا عند الإمام إسحاق ابن راهويه؟ لما ظن أن ترك الصلاة مسألة مجمع على كفر تاركها إلى زمانه، لأجل ذلك قال: الذين لم يكفروا هم المرجئة.

فإذن الإمام إسحاق بن راهويه وصف من لم يكفِّر تارك الصلاة بالإرجاء؛ لأنه يظن أن في المسألة إجماعًا إلى زمنه.

أما وقد تبين أن هذا الظن خطأ منه –رحمه الله تعالى- فإذن ما بُني عليه مَن وَصَفَ من لم يكفَّر بالإرجاء خطأ؛ لأن ما بُني على خطأٍ فهو خطأٌ.

وهذا ما لم ينتبه إليه الطريفي – هدانا الله وإياكم-، وإسحاق ابن راهويه معذور؛ لأنه وصف من لم يكفِّر تارك الصلاة بالإرجاء بناءً على ظنه أن في المسألة إجماعًا، وقد تقدم أنه ليس في المسألة إجماعٌ من بعد الصحابة، لأن الإمام الزهري –رحمه الله تعالى- خالف، وخالف من بعد ذلك الإمام مالك، والشافعي وأحمد في رواية.

فإذن لا يصح الاعتماد على كلام إسحاق بن راهويه بأن يقول القائل: إن لي سلفًا، في القول بالإرجاء لمن لم يُكفِّر تارك الصلاة.

وإنما يقال: إن مسألة تكفير تارك الصلاة مسألة خلافية عند أهل العلم، وإن كان في المسألة إجماع من لدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن لم يكفِّر فقد قال بمسألة اجتهادية، وهو معذور، ومن كفَّر فقد قال بمسألة اجتهادية، وهو معذور، وإن كنت أعتقد أن القول الصواب: هو كفر تارك الصلاة، لأنه يكفي في المسألة دليلًا أن يجمع الصحابة على ذلك رضي الله عنه وأرضاهم، لكن أردتُ بذكر هذا أن يعرف خطأ الطريفي في فهم أقوال أهل العلم، وما يترتب عليها.

وأيضًا مما وقع فيه الطريفي، وهو موجود في الصفحة التاسعة عشرة: أنه نقل كلامًا لأبي داوود –رحمه الله تعالى- في سننه، أنه قال: باب الرد على المرجئة، يقول الإمام أبو داود السجستاني، ومما ذكر أبو داود السجستاني ما أخرجه بإسناد، وقد أخرج الحديث نفسه الإمام مسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين الرجل والشرك أوالكفر ترك الصلاة»، فظن الطريفي أن أبا داود–رحمه الله تعالى- ممن يصف من لم يكفِّر الصلاة بأنه مرجئ، وهذا خطأ بين واضح للطريفي.

وذلك أن المرجئة لما كانوا لا يرون الأعمال من الإيمان، ففي المقابل لا يرون شيئًا من الأعمال، يوصف بأنه كفر، لا كفر أصغر، ولا كفر أكبر، فلأجل هذا رد عليهم الإمام أبو داود ببيانٍ: أنَّ ترك الصلاة كفرٌ، سواء أكان كفرًا أكبر أو كفرًا أصغر، وسواءٌ قيل: بأن تركها كفرٌ أكبر، أو كفرٌ أصغر.

فعلى كلا الاحتمالين، فهذا يصح ردًا على المرجئة؛ لأنهم لا يصفون عملًا بالكفر، كما لا يصفون عملًا بالإيمان، لكن هذا ما لم يفهمه الطريفي.

وأمامي عدة نقاط مع ذكر مراجعها ما يدل على خطأ الطريفي في فهم مسائل أهل العلم، لكن الوقت أضيق، وسأشير إلى بعضها على عجالة.

ففي الصفحة الثامنة والثلاثين ذكر مسألة التيامن في مسألة دخول المسجد والخروج من المسجد ، وقال: إن التيمن إنما جاء في الشرع في الأمور العادات، ولم يأت في العبادات.

والعجيب أنه ذكر حديث عائشة في الصحيحين «كان النبي يعجبه التيمن في تنعله وفي ترجله، وفي طهوره، وفي شأنه كله»، ونظر إلى التنعّل والترجل، فظن أن التيامن إنما يكون في العادات ولا يكون في العبادات!!!.

لكن لو دقّقَ في الحديث، وكان ذا فهم، لعلِم أنه منصوص في الحديث، قول عائشة –رضي الله عنها- “وفي طهوره”، والتطهر عبادة.

فإذن التيمن يكون في العبادات وفي العادات.

لكن مما أخطأ في تطبيقه أنه قال : أنه عند الدخول والخروج يُقَدِّم الأيمن، وهذا فيه نظر، ولم يوجد عليه عمل السلف، وإنما يقدم الأكبر كما دلت عليه الأدلة، وبهذا كان يفتي شيخنا العلامة ابن باز–رحمه الله تعالى-.

أما ما اشتهر عند الناس من التيامن عند الدخول والخروج، فهذا لا دليل عليه، وما جاء في حديث عائشة هو في الأصل فيما يتعلق بشؤون الرجل نفسه، سواء كان في عبادة أو غير ذلك.

وأيضًا مما عند الطريفي من أقوال لم أر أحدًا سبقه لذلك، وإذا كان عنده أحدٌ فليُفِد به، وذلك أنه ذكر في الصفحة التاسعة والثمانين: أن الرجل إذا كبَّر وقبض اليمين على الشمال، فهو مخير في ذلك بأن يضع يديه على صدره، أو فوق السرة… إلى آخره.

وهذا لم أر سلفًا له، الذي رأيته لأهل العلم أن جمهورهم يقولون: هو مخير بين أن يضع فوق السرَّة أو تحت السرَّة على خلاف بينهم، منهم مَن يرجِّح فوق السرة، ومنهم من يرجح تحت السرَّة.

أما القول بأنه مخيَّر أيضًا بأن يضع يديه على الصدر، هذا لا أراه سلفًا من أقوال أهل العلم الماضين –رحمهم الله تعالى-.

أما ما عندهم من الأخطاء في تصحيح بعض الأحاديث، فإنه في الصفحة الثانية والعشرين بعد المائة ذكر حديث التسبيح عشرًا في الركوع والسجود حديث أنس الذي أخرجه أحمد وأبو داود، واحتج به.

وهذا الحديث واضح ضعفه، ففي إسناده رجل مجهول، لذلك ضعَّفه جمع من أهل العلم، فهو لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا العجيب لمّا أراد أن يبين استحباب الوقوف على رأس الآية، ذكر حديث أم سلمة الذي أخرجه الترمذي، واحتج به، مع أن الترمذي –رحمه الله تعالى- ضعَّف هذا الحديث وبيَّن عدم صحته!!!

والأعجب من هذا أنه في الحاشية قال: وقد دلَّ على ذلك أحاديث كثيرة.

وأنا أطالبكم وأطالب الطريفي قبلكم أن يبيِّن لنا خمسة أحاديث صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على الوقوف على رأس الآية، فضلًا من أن يقال: إن هناك أحاديث كثيرة تدل على ذلك.

وأيضًا مما ذكر في الصفحة أظن عندي في الصفحة الخامسة والثلاثين إن لم أخطئ، لكن أغلب الظن ذكر في هذه الصفحة أو في غيرها، ذكر: أن إدراك تكبيرة الإحرام واجب، وأن من لم يدركها فهو آثم، واستدل على ذلك بحديث «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا»، إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، قال: فهذا أمر، فهو يدل على وجوب إدراك تكبيرة الإحرام.

فيقال: أما القول بإيجاب إدراك المأمومين لتكبيرة الإحرام مع الإمام فلم أر له سلفًا من العلماء الماضين، هذا، أوَّلًا.

وثانيًا: استدلاله بهذا الحديث لا يصح؛ لأن الحديث في المشي إلى الصلاة، سواء كان في تكبيرة الإحرام أو غيرها؛ يعني الأمر بالصلاة في صفة المشي، وهو ألا يستعجل، ((فإذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا)).

إذن، الأمر في صفة المشي، لا لأجل إدراك تكبيرة الإحرام، وهذا نعم في الصفحة الخامسة والثلاثين كما تقدم ذكر ذلك.

وأعتذر عن الإطالة في بيان هذه الأخطاء؛ لأن الوقت أضيق من ذلك.

أسأل الله أن يهديني وإياكم والطريفي لما يحب ويرضى، وأرجو أن الطريفي إذا رأى إني أخطأت عليه، أن يبيِّن ذلك، وله مني أنه إذا تبين لي أني أخطأت، عليَّ أن اعتذر منه علانية كما رددت عليه علانية.