ما حكم من أنكر الجهاد، هل هو كافر؟


يقول السائل: ما حكم من أنكر الجهاد، هل هو كافر؟

يُقال جوابًا عن هذا السؤال: إن ثبوت الجهاد واضح وجلي؛ بل الأدلة متواترة في ذكر من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أنكر شرعية الجهاد، وقال: لا يوجد في الشريعة شيء اسمه جهاد، فهذا كافر ولا شك، بعد قيام الحجة عليه.

لكن فرق بين أن يقول القائل: لا يوجد شيء في الشرع اسمه جهاد، وبين أن يقول: إن الجهاد قد يوجد في زمن دون زمن، أو في حال دون حال، لعدم توفر الشروط أو لوجود موانع، إما لضعف المسلمين، أو عدم إذن ولي الأمر إلى غير ذلك.

فإن الناس في الجهاد على طرفي نقيض، قسم أهل غلو في الجهاد، لا يراعون فيه حال الضعف والقوة، ولا يراعون إذن ولي الأمر ومنعه.

وهؤلاء مخطئون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة راعى حال الضعف، فإنه صلى الله عليه وسلم في هديه وسيرته راعى حال الضعف والقوة، فإنه في مكة لم يشرع له الجهاد؛ لأنه كان في حال ضعف، وكذلك في صلح الحديبية رضي بالصلح؛ لأن الجهاد يضر أكثر مما ينفع، وكذلك الشريعة أجازت ترك الجهاد والتولي يوم الزحف إذا كان العدو ثلاثة أضعاف المسلمين.

فإذًا ينبغي أن يعتنى بهذا، وأن يراعى ما راعت الشريعة فيه، فيراعى حال الضعف وحال القوة.

أما إذن ولي الأمر فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ»، وهذا خبر بمعنى الأمر، فلذا ذهب الإمام مالك والإمام أحمد إلى أنه لا بد من إذن ولي الأمر، وأنه واجب، بل إنه واجب حتى في جهاد الدفع إلا إذا لم يتيسر الاتصال به وأخذ الإذن منه؛ لأن السبل قد انقطعت بينه وبين المسلمين.

فإذًا إذن ولي الأمر واجب في الجهاد، ومن جاهد بلا إذن ولي الأمر فهو آثم، ويدل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، وقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإنه إذا لم يراعَ إذن ولي الأمر أصبح أمر الجهاد فوضى، أناس يقاتلون، وأناس يسالمون، ثم يختلف المسلمون بينهم.

فالمقصود أن الطائفة الأولى والطرف الأول هم الذين غلوا في أمر الجهاد، ولم يراعوا فيه الشروط، ولا الموانع، ولم يراعوا فيه حال الضعف والقوة إلى غير ذلك.

والطرف المقابل لذلك هم الطرف الذين جفوا ومنعوا الجهاد، حتى إن منهم من أنكر جهاد الطلب.

ومن المعلوم: أن الجهاد في الشرع، نوعان: جهاد طلب، وجهاد دفع، وكلا الجهادين قد قام بهما النبي صلى الله عليه وسلم، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كما في “الاختيارات الفقهية”، وكما في “مجموع الفتاوى”، وبين ابن القيم في كتابة “الفروسية” وغيره، رحمه الله تعالى، وكلام ابن قدامة في “المغني” يدل على أن هذا الأمر مجمع عليه، وهو أن الجهاد نوعان: جهاد دفع، وجهاد طلب.

وقد ذهب طائفة من المنهزمين إلى إنكار جهاد الطلب، كما اشتهر في هذا الزمن عن الليبراليين، والعلمانيين، وهذا ليس غريبًا منهم، بل وتابعهم بعض من يسمون بالإسلاميين، من جماعة الإخوان المسلمين ومن تأثر بهم كيوسف القرضاوي، ومحمد الحسن ولد الددو الموريتاني الشنقيطي، وسلمان العودة وغيرهم.

وهؤلاء مخطئون ولا شك، ومخالفون للإجماع، ولهدي النبي صلى الله عليه وسلم العملي، وعموم نصوص الكتاب والسنة.

ثم زادوا الخطأ خطأ بأن نسبوا هذا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن ابن تيمية يقول: الجِهاد إنما شُرع من باب الضرورة، فظنوا أن قوله من باب الضرورة أنه لا يشرع إلا جهاد الدفع وهذا خطأ، وإنما مراد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الشريعة لا تتشوف من حيث الأصل إلى سفك الدم وإزهاق النفس، وإنما لا تنتقل إلى ذلك إلا إذا لم يتيسر ما هو قبله من أن يدخلوا في الإسلام، أو أن يدفعوا الجزية، فإذا أبوا هذا وذاك فتحصل حالة الضرورة وهو قتالهم.

فإذًا قتالهم ليس مرادًا ابتداء، وإنما اضطر إليه لما أبى الكفار الإسلام، وأبوا دفع الجزية، ويؤيد هذا سياق كلام شيخ الإسلام، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى كلامه الآخر: في الشريعة جهادين: جهاد دفع، وجهاد طلب، كما في “الاختيارات الفقهية” وغيرها.

أما الوسط في هذا الباب، فهم الذين أقروا بأن في الشريعة جهادين: جهاد دفع، وجهاد طلب، وراعوا في ذلك المصالح والمفاسد، وما راعته الشريعة من إذن ولي الأمر وغير ذلك.

فالحماسيون وأهل الغلو والجفاء يصفون المعتدلين المتبعين للكتاب والسنة بأنهم أنكروا الجهاد.

والمفرِّطون والمقصِّرون في أمر الجهاد يصفون المعتدين بأنهم قد غلوا في الجهاد، وكلا الطائفتين مخطئتان، والواجب الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة، فإنه الحكم والميزان الذي يجب الاحتكام إليه، وأن توزن الأمور به، كما قال سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى:10].

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمَنا ما يَنْفَعَنَا، وأن يَنْفَعَنَا بما عَلَّمَنَا، وجزاكم الله خيرًا.