ما حكم تكرار العمرة للمقيم في مكة، مثلًا أداء العمرة مرةً واحدة كل أسبوع؟


ما حكم تكرار العمرة للمقيم في مكة، مثلًا أداء العمرة مرةً واحدة كل أسبوع؟

 

يقال: إن في الجواب على هذا السؤال تفصيلًا:

الأمر الأول: من كان من سُكَّان مكة، أو كان من الوافدين الذين استقروا في مكة، فإن هؤلاء الأفضل لهم أن لا يعتمروا، وإنما عمرتهم الطواف بالبيت، لكن لهم أن يعتمروا، إلا أن الأفضل أن لا يعتمروا.

ثبت هذا عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه عند ابن أبي شيبة لما قال لأهل مكة: ((لا عمرة لكم، إنما عمرتكم الطواف))، ونصَّ على هذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ونصر لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

الأمر الثاني: أن يكون الرجل آفاقيًّا، أي: جاء إلى مكة زائرًا ، فمثل هذا يصح له أن يكرر العمرة في السفرة الواحدة، ثبت هذا عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عند ابن أبي شيبة.

فقد ثبت عنها عند ابن أبي شيبة: أنها اعتمرت من التنعيم، وذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا غير عمرتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، لمَّا طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتمر، فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمِّرها من التنعيم، هذه قصة أخرى، وحادثة أخرى، وهي أنها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم اعتمرت من التنعيم.

وهذا فعل عائشة رضي الله عنها، فدل على أنه يصح لمن كان مسافرًا أن يعتمر أكثر من عمرة.

وإن كان الأفضل أن يرجع إلى ميقات، وأن يعتمر من ميقاته، قال الإمام أحمد: ((له أن يعتمر من التنعيم أو من أدنى الحِل، والأفضل والأكمل أن يرجع إلى ميقاته))، وقد ثبت الرجوع إلى الميقات عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في “شرح العمدة” قسم المناسك.

فإذًا: من كان مسافرًا وأقام بمكة ،جاء لأجل الحج أو العمرة، فله أن يكرر العمرة أكثر من مرة، وقد ذكر ابن عبد البر أن هذا قول جمهور أهل العلماء، بل قال: وله أن يكرر ما استطاع، ولو كرر في اليوم فله أن يفعل ذلك، وعزا هذا إلى جمهور أهل العلم؛ لأن الشريعة أجازت لذلك، ولم تحدَّ له حدًا.

فإن قيل: قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: أنه لم يثبتْ عن أحدٍ من الصحابة أنه كرَّر العمرة إلا عائشة، وعائشة كان لها عذرها الخاص بها.

فيقال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كرَّر هذا في مواضع، في مواضع يطلقه، وفي مواضع يقيده في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

فيحمل كلام المطلق على المقيد، فيريد أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرِّر أحد من الصحابة العمرة إلا عائشة، وصدق رحمه الله تعالى؛ لأنه لم ينقل إلا هذا، أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقد ثبت عن عائشة أنها كرَّرت العمرة كما تقدم فيما أخرجه ابن أبي شيبة رضي الله عنه وأرضاه.

وهذا لا يعترض به على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن ابن تيمية كان كلامه في تكرار أحد من الصحابة العمرة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يفعل ذلك إلا عائشة رضي الله عنه وأرضاها.

وقد يقال أيضًا: قد جاءت آثار عن السلف في النهي عن تكرار العمرة، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية نقل ذلك كما في المجلد السادس والعشرين من “مجموع الفتاوى”، وهو قسم المناسك، فيقال-والله أعلم-:

إن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ليس له علاقة بتكرار العمرة في السفرة الواحدة، وإنما هذه الآثار نقلها عن طاووس وغيره، هي في مسألةٍ أخرى، وهي الاعتمار في السنة أكثر من مرة؛ لأن منهم من لا يرى العمرة في السَّنَة إلا مرة واحدة، ومنهم من يرى مرتين، ومنهم من لا يحد له حدًا.

فكلام العلماء الذي نقله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على مسألة أخرى، وهي تكرار العمرة في السَّنة، لا على تكرار العمرة في السفرة، فمثلًا يرى مالك رحمه الله تعالى أن الذي يُسْتَحَبُّ أن يُعتمر في كل سنة مرةً واحدة، فعند مالك من سافر إلى مكة في ذي الحجة، واعتمر قبل نهاية السنة، فيستحب له أن يعتمر مرة أخرى مع بداية السنة الأخرى، يعني: في شهر محرم؛ لأنه قد اعتمر في كلِّ سنة مرة واحدة، ولو كان في سفرة واحدة، فإذا الذي منع الإمام مالكًا هو أن يُعتمر في السنة أكثر من مرة، وليس سبب المنع أنه في سفرةٍ أو في أكثر من سفرة، ففرقٌ بين المسألتين.

وما نقله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من الآثار التي تُوهِم أن التابعين يذمون وينهون عن أكثر من عمرة في سفرة واحدة، قد نقل الآثار نفسها ابن بطال في “شرحه صحيح البخاري” على المسألة التي تقدم ذكرها، وهي هل يستحب الاعتمار في السنة أكثر من مرة أو لا يستحب ؟

ويبدو لي أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قد أخطأ في نقل أقوال السلف على المسألة التي ذكرها، وهي تكرار العمرة في سفرة واحدة، وكذلك كلام أبي شامة في كتابه “الباعث على إنكار البدع والحوادث” يؤيد كلام ابن بطال.

فالمقصود وخلاصة ما تقدم: أن الأفضل لأهل مكة أن لا يعتمروا، ولهم أن يعتمروا، وأن ما عدا أهل مكة لهم أن يعتمروا في السفرة الواحدة أكثر من مرة، كما ثبت عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كعائشة، والأكمل أن يرجع الرجل إلى ميقاته ويحرم منه، فإن هذا أكمل كما فعل ذلك عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وبه قال الإمام أحمد، وعلى القول بتكرار العمرة في السفرة الواحدة أكثر من مرة، على هذا القول المذاهب الأربعة.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يفقهنا في الدين، وأن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.