ما المراد بالتكبير المطلق والمقيد؟ وما الدليل عليهما؟


يقول السائل: ما المراد بالتكبير المطلق والمقيد؟ وما الدليل عليهما؟

الجواب:
المراد بالتكبير المطلق: هو التكبير الذي يكون أيام عشر ذي الحجة، فمنذ دخول شهر ذي الحجة فيبدأ هذا التكبير، وهو التكبير في العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، هذا هو التكبير المطلق وسيأتي التفصيل فيه -إن شاء الله تعالى-.

أما المقيد: فهو التكبير الذي يكون بعد الصلاة مباشرة، فمنذ أن يُسلِّم الإمام يبدأ بالتكبير، ومنذ أن يُصلي المأمومون يبدأون بالتكبير، هذا الذي عليه كلام العلماء الماضين، لا أن يستغفر ثم يُكبِّر كما ذكره بعض المعاصرين، وإنما بكلام العلماء الماضين يكون التكبير مباشرةً منذ أن يُسلِّم الإمام، ثم بعد ذلك يرجع للاستغفار …إلخ.

والتكبير المقيد يبدأ من فجر يوم عرفة، وينتهي بصلاة العصر في اليوم الثالث عشر، وسيأتي التفصيل -إن شاء الله تعالى- والدليل على التكبير المطلق قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيامٍ معلوماتٍ﴾، علَّق البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه التكبير في عشر ذي الحجة، وعلَّق البخاري عن مجاهد قال: كان أبو هريرة وابن عمر يخرجان إلى السوق في العشر فيكبران فيُكبر الناس بتكبيرهما، فدلَّ هذا على أنه يُشرع التكبير ورفع الصوت بالتكبير، وهذا ما قرره الإمام الشافعي وأحمد، وهو قول أبي حنيفة، فهو إذَنْ يُكبِّر في العشر كلها في ذهابه وإيابه …إلخ.

وصيغة التكبير أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. كما ثبت عند ابن أبي شيبة عن أصحاب عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.

أما التكبير المقيد فإنه يبتدئ على أصح أقوال أهل العلم من فجر يوم عرفة، وينتهي بصلاة العصر في اليوم الثالث عشر، والدليل على أنه يبتدئ بفجر يوم عرفة إجماع صحابة رسول الله ﷺ، حكى الإجماع الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وقد جاء عن جمعٍ من الصحابة -رضي الله عنهم-.

أما الدليل على أنه ينتهي بصلاة العصر من اليوم الثالث عشر: فهو فتاوى الصحابة -رضي الله عنهم-، فقد ثبت عند ابن المنذر عن عليّ -رضي الله عنه- وثبتَ عند ابن المنذر عن ابن عباس -رضي الله عنه-، ومن خالف من الصحابة في ذلك وذهب إلى أنه ينتهي قبلُ فإنَّ قول الخلفاء الراشدين مُقدَّمٌ على قوله كما هو مُقرر في كتب الأصول، أنه إذا اختلف الصحابة فالقول الذي فيه كفة الخلفاء الراشدين مُقدم على غيره.

إذَنْ هذا هو دليل التكبير المقيد، وهو فتاوى صحابة النبي ﷺ، فاتفق الصحابة على الابتداء واختلفوا في الانتهاء، والصواب أنَّ الانتهاء يكون بصلاة العصر في اليوم الثالث عشر، ودلَّ على التكبير المقيد أيضا الإجماع، فإنَّ العلماء مجمعون على أنَّ هناك تكبيرًا مُقيدًا، حكىى الإجماع ابن رشد، والنوويُّ، وحكاهُ الزركشيُّ الحنبلي في شرح (مختصر الخرقي)،وابن رجب في شرحه على البخاري.

إذَنْ هذه فتاوى الصحابة مع إجماعات أهل العلم في الدلالة على التكبير المقيد، ومن خالف بعد ذلك فإنه محجوج بفتاوى الصحابة ثم بإجماعات أهل العلم، ولا يصح لأحد أن يُخالف في هذه المسألة بعد معرفته بأقوال الصحابة وبإجماعات أهل العلم.

مسألة: تقدم أنَّ التكبير المقيد يبدأ من فجر يوم عرفة بإجماع الصحابة، وينتهي على الصحيح بصلاة العصر في اليوم الثالث عشر، إلا أنَّ الحاجَّ مشغولٌ بالتلبية ويُستحبُّ للحاجِّ أوَّل ما يُسلم من صلاة الفريضة أن يُلبِّي: “لبيك اللهم لبيك …” لا أن يستغفر، وعلى هذا علماء المذاهب الأربعة.

روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: كانوا يستحبِّون أن يُكبِّروا دبر كل صلاة. فإذَنْ أول ما يُسلم الحاج فإنه يُلبِّي، فلا يُكبِّر وإنما يُلبِّي، ثم بعد ذلك يرجع إلى أذكار الصلاة.

فلذا الحاج يكون مشغولًا بالتلبية في يوم عرفة، ومشغولا بالتلبية في فجر اليوم العاشر، فلذا يبتدئ التكبير المقيد في حق الحاج من صلاة الظهر في يوم النحر إذا تحلل، وإذا لم يتحلل ولا يزال عليه إحرامه فإنه يستمرُّ في التلبية إلى أن يتحلل، لنفرض أنَّ الحاجَّ تأخَّر ولم يرم الجمرة ولم يتحلل، وصلى العصر غير متحلل في اليوم العاشر، فإنه مشغولٌ بالتلبية، لكن الحاجّ إذا تحلَّل كما تحلل النبي ﷺ في ضحى اليوم العاشر فإنه يصلي الظهر حلالًا، فيبتدئ التكبير المقيد في حقه، فأول ما يُسلم الإمام يقول: الله أكبر، الله أكبر …إلخ، ويستمر في التكبير ثم يرجع إلى الاستغفار والأذكار التي تُقال بعد الصلاة، وقد ذهب إلى هذا ابن عيينة، وهو قول الإمام أحمد، وقول الإمام الشافعي.
ثم إنَّ التكبير المطلق لا يكون دبر الصلوات، وإنما بعد الصلوات يكون الاستغفار، وهذا في أيام عشر ذي الحجة، إلى صلاة الفجر من يوم عرفة لغير الحاج فيبتدئ التكبير المقيد، فيُكبِّر دبر الصلوات كما تقدم ثم يرجع للاستغفار، ثم إذا انتهى يرجع للتكبير المطلق ويستمر التكبير المطلق إلى نهاية وغروب يوم الثالث عشر من ذي الحجة، فمن فجر يوم عرفة لغير الحجة إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر يستمر التكبيران المطلق والمقيد على ما تقدم تقريره.

ليس معنى اشتغال الحاج بالتكبير المقيد بعد الفريضة أن يدع التكبير المطلق، بل يستمر، فقد علق البخاري عن ابن عمر أنه في أيام منى كان يُكبر في فسطاطه وغير ذلك، أي كان مشغولًا بالتكبير المطلق مع ما تقدم من ثبوت التكبير المقيد.

فإذَنْ من فجر اليوم التاسع إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر يجتمع التكبيران المطلق والمقيد، إلا أنَّ المقيد ينتهي بالفرض وآخر فرض يُصلى في اليوم الثالث عشر هو صلاة العصر، وهذا قول الشافعي وهو أحد القولين عند الحنابلة وقد دلَّ عليه ما تقدم ذكره من فتاوى الصحابة.

وأخيرًا: إنَّ التكبير ليس خاصًا بالرجال، بل التكبير للرجال والنساء، فقد كان الصحابيات يُكبِّرن، فقد علق البخاري عن ميمونة -رضي الله عنها- أنها كانت تكبر، وعلق عن النساء أنهنَّ كُنَّ يُكبرن بتكبير أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز، وقد أجمع العلماء على ذلك، حكاهُ النووي وابن رجب، فإذَن التكبير ليس خاصًا بالرجال بل بالرجال والنساء، إلا أنه على الصحيح لا يكون إلا بعد الفرائض، أعني التكبير المقيد.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وجزاكم الله خيرًا.

1058_1


شارك المحتوى: