ما الدليل على أن معنى (لا إله إلا الله) لا معبود بحق إلا الله؟ ومن سبق محمد بن عبدالوهاب لهذا؟


يقول السائل: ما الدليل على أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، ولماذا لا يقال: بأن مجرد التلفظ بها كاف؟ وهل سُبِق الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى تفسيرها بهذا المعنى، وإلى تقسيم التوحيد لأقسام ثلاثة؟

يُقال جوابًا عن هذا السؤال: إن هذا السؤال مهم؛ لأنه يتعلق بأصل الأصول، وهو بكلمة التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.

أما الدليل على أن معنى لا إله إلا الله أنه لا معبود بحق إلا الله، أي: أن معناها يرجع إلى توحيد الإلهية لا توحيد الربوبية.

والدليل على هذا واقع كفار قريش، ثم أدلة القرآن والسنة.

أما واقع كفار قريش فإنهم كانوا مقرين بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت إلى آخره، كما قال سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان:25]، فهم مقرون بأن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، المحيي، المميت إلى آخره، أي: أنهم مقرون بتوحيد الربوبية في الجملة.

فلو كان معناها راجعًا إلى توحيد الربوبية، إلى أنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، أو على قول المتكلمين: لا قادر على الاختراع إلا الله، لو كان معناها راجعًا إلى هذا لما امتنع كفار قريش أن يتلفظوا بها، ولما قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5].

فدل هذا على أن معناها راجع إلى أنه لا يُعبَد إلا الله، وأنه لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.

والقول بأن مجرد التلفظ بها كاف قول خطأ، مخالف للأدلة من جهة، ومن جهة أخرى تلزم عليه لوازم.

أما وجه مخالفته للأدلة: فإن الأدلة جاءت بقيود أخرى، كما في حديث عتبان بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله دخل الجنة»، أخرجه البخاري ومسلم.

قال: «يبتغي بذلك وجه الله»، ذكر هذا القيد، إذا لم يجعل مجرد التلفظ كافيًا.

وفيما أخرج مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وهو يعلم لا إله إلا الله دخل الجنة» إذًا، ذكر قيد العلم.

وهكذا جاءت قيود أخرى في بقية الأحاديث، فلا بد من العمل بهذه القيود، هذه جهة.

وأما من جهة أخرى فإنه يلزم على ذلك لوازم خطيرة، من أهمها: أن القول بأن مجرد التلفظ بها كاف يلزم عليه أن يكون المنافقون مؤمنين، وأن ينفعهم التلفظ بهذه الكلمة، وذلك أن المنافقين كانوا يتلفظون بها، ومع ذلك هم في الدرك الأسفل من النار، قال سبحانه: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1].

وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء:145].

فإذًا لو كان مجرد التلفظ بها من غير اعتقاد معناها، ومن غير اعتقاد شروطها وقيودها، لو كان ذلك كافيًا لكان المنافقون مؤمنين ومسلمين، ولنفعتهم هذه الكلمة.

والواقع أنها لم تنفعهم؛ لأنهم لم يتلفظوا بها على شروطها، والقيود التي جاءت بها في الشريعة.

أما قول السائل: هل سُبِق الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى التفسير لهذا المعنى؟ فيقال: إن تفسيرها بهذا المعنى قد ذكره غير واحد، وممن ذكر ذلك ابن جرير الطبري في تفسيره، وذكر ذلك الشوكاني رحمه الله تعالى في تفسيره.

وكلام السلف لما جعلوا المعركة في توحيد الإلهية، وجعلوا آيات الأمر بالعبادة راجعًا إلى توحيد الإلهية دال على هذا، كقول ابن عباس رضي الله عنه فيما روى ابن أبي حاتم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ } [البقرة:21]، قال: وحِّدوا ربكم، وكلام السلف كثير في هذا.

إذًا قد سُبِق الشيخ رحمه الله تعالى بما تقدم ذكره من كلام السلف ومن كلام ابن جرير الطبري وغيره.

أما قوله: وإلى تقسيم التوحيد لأقسام ثلاثة، أي: هل سُبِق الشيخ إلى تقسيم التوحيد إلى أقسام ثلاثة؟

فيقال جوابًا عن هذا السؤال: هذا التقسيم دلت عليه الأدلة بوضوح، فقد جعلت كفار قريش مقرين بأن الله هو الخالق، الرازق إلى آخره، وجعلتهم مشركين في العبادات.

إذًا صار التوحيد أقسامًا، قسم يرجع إلى الخلق والرزق، ويسمى بتوحيد الربوبية، وقسم يرجع إلى العبادة ويسمى بتوحيد الإلهية، ثم جاء في القرآن إثبات الأسماء والصفات، فهذا قسم ثالث.

والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى قد سُبق إلى هذا، ففي كلام أبي حنيفة في الكتاب المنسوب إليه وهو كتاب “الفقه الأكبر”، وفي “شرح القاري” له ما يدل على هذه الأقسام الثلاثة.

وأيضًا في تبويبات ابن مندة في “كتاب التوحيد” أشار لهذه الأقسام الثلاثة، وأيضًا ابن بطة رحمه الله تعالى في كتابه “الإبانة الكبرى” ذكر هذه الأقسام الثلاثة، وأيضًا ممن أشار إلى هذه الأقسام الثلاثة ابن جرير الطبري في تفسيره.

واشتهر ذكر هذه الأقسام الثلاثة في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وسبب اشتهار هذا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قد اشتهروا بالدعوة للتوحيد لمخالفة أهل زمانهم الذين خالفوا في ذلك، فلذا اشتهر ذكرهم لهذا التقسيم.

فإذًا لم ينفرد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بذكر هذه الأقسام الثلاثة، بل سُبِق بما تقدم ذكره، والدليل على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، وبعبارة أخرى الاستقراء، فإن الاستقراء دل على أن التوحيد أقسام ثلاثة.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما يَنْفَعَنَا وأن يَنْفَعَنَا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.