ما الجمع بين أن ذنوب الخلوات سبب الانتكاسات، وبين الحديث: “كل أمتي معافاة إلا المجاهرون”؟


يقول السائل: يقال: ذنوب الخلوات سبب الانتكاسات، وفي الحديث كل أمتي معفاة إلا المجاهرون، فهل يمكن الجمع بينهما، أم الجملة الأولى فيها نظر؟

يُقال جوابًا عن هذا السؤال: أولًا: قول: “ذنوب الخلوات سبب الانتكاسات”، هذا ليس حديثًا وينسبه بعضهم من المعاصرين إلى ابن القيم، ولم أر هذا في كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.

لكن لابن رجب كلامٌ يدل على هذا ، أما حديث «كل أمتي معفاة إلا المجاهرون» قد أخرجه البخاري وغيره، ويظهر لي والله أعلم أنه ليس بينهما تعارض، وذلك أن ذنوب الخلوات سبب الانتكاسات، وذلك أن الرجل يكون في الظاهر متدينًا، ويكون عنده ذنوب في الخلوة ،ويصر عليها ويستمر، ويراه الله، ويطلع عليها، وهو مستمر في هذه الذنوب، فقد تكون سببًا لزيغه وضلاله، لأن السيئة تدعو أختها، كما قال سبحانه: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:8-10]، وقال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف:5]، وذكر عروة بن الزبير وغيره أن الحسنة تدعو أختها، وأن السيئة تدعو أختها.

فصلاحه في الظاهر يتضح خلافه، بل يترك الاستقامة في الظاهر بسب هذا الذنب الذي أصر عليه ، ولو كان صغيرة، فقد ثبت عند البيهقي في شعب الإيمان لابن جرير الطبري أن عبد الله بن عباس قال: “لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار”.

أما حديث: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون»، فهذا أظهر ذنبه، وجهر به، فلن يغتر الناس بأنه صالح أو ليس في الظاهر صالحًا، فهو ليس في الظاهر صالحًا، فلذلك هو له ذنب آخر، أنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : كل معافى إلا هو، أي: إلا المجاهرون.

فالمقصود من هذا: أن ليس بينهما تعارض، فإن ذنوب الخلوات تبين الحقيقة في المستقبل، فيظهر الرجل على حقيقته، ويُعاقَب بالاستمرار على الذنب، أما الذي يجاهر فله عقوبة أخرى، وهو أنه لا يُعافَى.