لماذا لم تُخصص أحاديث ذم البدعة بمفهوم حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»؟


يقول السائل: أليس المفهوم يُخصص المنطوق؟ فلماذا لم تُخصص أحاديث ذم البدعة بمفهوم حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»؟

الجواب:
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن المفهوم يُخصص المنطوق، فعلى هذا إذا جاء لفظ عام وجاء مفهوم خاص فإنه يُخصص هذا اللفظ العام، وهذا صحيح لكن تطبيقه على هذا الحديث مع أحاديث ذم البدعة لا يصح لأمرين:

الأمر الأول: أن قوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» خرج لسبب، فهو وصف كاشف لا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ [المؤمنون: 117] فقوله: ﴿ لا بُرْهَانَ لَهُ ﴾ لا مفهوم له، وإنما وصف كاشف.
وكقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾ [آل عمران: 130] قوله: ﴿ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾ وصف كاشف لا مفهوم له، فلا يدل هذا على أن من أكل من الربا قليلًا فإنه يجوز، فإذن قوله: «ما ليس منه» تأكيد لذم البدع، فهو وصف كاشف لا مفهوم له.

الأمر الثاني: أن للحديث مفهومًا وهو أنه إذا أُحدث شيئا يتوافق مع أصول الدين فإنه مقبول، وقد ذكر هذا ابن الملقن في شرحه على الأربعين، وابن حجر الهيتمي في شرحه على الأربعين، وذكره غيرهما من أهل العلم، فيدخل في ذلك المصالح المرسلة، كوضع عمر -رضي الله عنه- السجون وكجمع المصحف، وغير ذلك من المصالح المرسلة التي لها ضابطها وهو ألا يوجد المقتضي في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بمعنى: إذا وُجدت هناك مصلحة وكان المقتضي لفعلها موجودًا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا مانع يمنعه من فعلها ولم يفعلها، فإنها بدعة محدثة.

بخلاف إذا لم يكن المقتضي موجودًا في عهده -صلى الله عليه وسلم- ووُجد في عهد من بعده، أو بخلاف ما إذا وُجد مانع في زمانه وانتفى المانع بعد زمانه -صلى الله عليه وسلم- كمثل الأذان في مكبرات الصوت، وتسجيل الدروس في المسجلات الصوتية وغير ذلك، فإن هذه من المصالح المرسلة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعلها لمانع وهي أنها غير موجودة في زمانه.

هذا ملخص جواب أهل العلم على قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما ليس منه»، فإذن لا يصح لأحد بحال أن يستدل بهذا المفهوم على تجويز البدع، ويؤكد ذلك أن علماء السلف مجمعون على ذم البدع وأن البدع كلها محرمة، وأنه لا يوجد في الدين بدعة حسنة، بل كل البدع قبيحة وضلالة، حكى الإجماع على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الاقتضاء)، والشاطبي -رحمه الله تعالى- في كتابه (الاعتصام)، والسلف الأولون كلهم على هذا.

فإذن الخلاصة: أن حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» إما ألا يكون له مفهوم أو أن يكون له مفهوم لكنه محمول بما يتفق مع بقية الأدلة، ولا يمكن بحال أن يُحمل على تجويز البدع للأدلة الكثيرة على تحريم البدع ولأن السلف مجمعون على أن البدع كلها ضلالة ومحرمة ولا يوجد في الدين بدعة حسنة، والإجماع كما لا يخفى دليل قطعي في دلالته، كما ذكر هذا جمع من الأصوليين كالغزالي وابن قدامة، وغيرهما من أهل العلم، فلا يقبل التخصيص ولا النسخ …إلخ.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.