لا يخفى ما انتشر في هذه الأزمان من انتشار المذهب الظاهري وقواعده، وأصبح نجِد مَن يُسقِط أقوال أئمة السلف بحجة اتباع الدليل، ويقول ظاهر الحديث يدل على ذلك، فهل من كلمة تفيدوننا بها حول هذا الموضوع؟


لا يخفى ما انتشر في هذه الأزمان من انتشار المذهب الظاهري وقواعده، وأصبح نجِد مَن يُسقِط أقوال أئمة السلف بحجة اتباع الدليل، ويقول ظاهر الحديث يدل على ذلك، فهل من كلمة تفيدوننا بها حول هذا الموضوع؟

 

يقال الجواب على هذا السؤال: إن ما ذكره السائل حق واقع، فقد انتشر مذهب الظاهرية، وتأثر به بعض العلماء، وصار يظن أن مذهبهم هو مذهب أهل الحديث، لأجل هذا شاع وانتشر؛ لأنهم في الظاهر يعظمون الدليل، ويتبعون الحديث، ويردون الآراء في مقابل النص، فلأجل هذا شاع مذهبهم بين الناس بحجة أنه مذهب أهل الحديث، وقد بين هذا ابن رجب- رحمه الله تعالى- في كتابه”فضل علم السلف على الخلف” وأنه من الخطأ أن ينسبوا إلى أهل الحديث، وأنه قد اغتر الناس بهذا.

ومذهب الظاهرية مذهب ضال وخطأ في باب الفقهيات على ما سيأتي بيانه – إن شاء الله تعالى-.

وقد شدد العلماء على مؤسس هذا المذهب وهو داوود بن علي الأصفهاني أو الأصبهاني الظاهري، وبينوا ضلاله عقدياً وفقهياً، ذكر هذا ابن أبى حاتم في ترجمته في كتابه ” الجرح والتعديل”، وترجمته لداود ساقطة في الكتاب المطبوع لكنها موجودة في كتاب “لسان الميزان” للحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى- وفيه كلام السلف على داود في مذهبه الفقهي أو مذهبه العقدي.

والذي يهمني هو الذي نحن بصدده: الكلام على مذهب الظاهرية من جهة الفقه، ومذهب الظاهرية مذهب مخالف لما عليه سلف هذه الأمة في باب الفقهيات من أوجه، وقد بين ابن القيم –رحمه الله تعالى- أربعة أوجه، من هذه الأوجه، ذكره في كتابه “أعلام الموقعين” .

أما الوجه الأول: فإن الظاهرية ينكرون القياس، والقياس قد أجمع عليه سلف هذه الأمة وقد دل عليه الكتاب والسنة وآثار السلف، فإن كلامهم كثير في الاحتجاج بالقياس.

لكن ينبغي أن يعلم أن القياس نوعان: قياس صحيح وقياس فاسد. والكلام على القياس الصحيح، أما القياس الفاسد فإنه مردود.

والظاهرية يحاولون أن يقنعوا الناس أن القياس باطل استدلالا بكلام السلف في رد القياس الباطل، والقياس الفاسد.

وهذا خطأ فإن السلف الذين ردوا القياس الفاسد وفي المقابل قبلوا القياس الصحيح، لذا القياس المردود هو الفاسد.

أما القياس الصحيح فقد درج سلف هذه الأمة على الاحتجاج به حتى أن أول من خالف فيه هو النظام المعتزلي، ذكر هذا ابن عبد البر –رحمه الله تعالى- في كتابه “جامع بيان العلم وفضله” فإذا تبين هذا وعرف علم أن القول بالقياس قول سلفي، لكن المراد به القياس الصحيح دون القياس الفاسد.

الأمر الثاني: أن الظاهرية عطلوا النصوص عن مدلولاتها فجمدوا على ظواهر النصوص، كما قال ابن حزم قال:” لو لم يأتِ في القرءان الأمر بالإحسان للوالدين لما كان في قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] دلالة على حرمة ضربهما؛ يعني: يحرم على الولد أن يقول لوالديه أو لأحدهما: أف، لكن لا يحرم عليه ضربهما بدلالة هذه الآيات.

وقد بين ابن تيمية –رحمه الله تعالى- أن إنكار ابن حزم للقياس الأولوي هو مكابرة منه، بل إن دلالة القياس الأولوي على الحكم الشرعي أولى من دلالة لفظ النص.

فالظاهرية جمدوا على الظاهر، وعطلوا النصوص عن مدلولاتها.

ينبغي أن يعلم أن العمل بالظاهر مطلوب شرعاً، وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة ودرج عليه سلف هذه الأمة، وإنما المذموم هو الجمود على الظاهر بأن تعطل النصوص عن مفاهيمها كالمفهوم الأولوي إلى غير ذلك.

الأمر الثالث: هو أن الظاهرية توسعوا في الاستصحاب، وذلك أنهم لما عطلوا النصوص أصبحوا يتوسعون في الاستصحاب؛ لأن الأدلة قلت في الأحكام على الوقائع، فلذلك اضطروا أن يتوسعوا في الاستصحاب.

وأؤكد أن الاحتجاج بالاستصحاب صحيح، وهو حجة، والناس دارجون عليه في معاملاتهم، والشريعةُ دلت عليه بدلالة الكتاب والسنة، لكن الخطأ الذي عند الظاهرية هو توسعهم في الاستصحاب.

الأمر الرابع: أنهم جعلوا الأصل في عقود المسلمين وشروطهم أنها على البطلان حتى يقوم الدليل على صحة ذلك.

وقد أنكر هذا ابن القيم إنكارا شديدا في كتابه” أعلام الموقعين”، وبين أن الأدلة و تعامل سلف هذه الأمة على خلاف ذلك.

هذه أربعة أمور ذكرها ابن القيم –رحمه الله تعالى- من مآخذ على مذهب الظاهرية.

والأمر الخامس: وهو أن الظاهرية لا يعتدون بفهم السلف، وقد أخذه عليهم ابن رجب في كتابه “فضل علم السلف على الخلف”، وأشار لهذا ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في كتابه “منهاج السنة”، حتى قال شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- في المجلد الخامس من كتاب “منهاج السنة “:((وكُلُّ قولٍ تفردت به الظاهرية فهو خطأ)).

ثم أشار للعلة، وهو أنهم متأخرون، فما تفردوا به عن سلف هذه الأمة فهو خطأ، وقد بين هذا ابن رجب أيضا في “شرحه للبخاري”، فالظاهرية يرون أن لهم أن يُحدِثوا قولاً جديداً ولو لم يسبقهم أحد إلى ذلك، وهذه بدعة وضلالة، لذا لا يحتجون بفهم السلف، وهذا من أشنع ما عند الظاهرية، وهو من أشد ما يبين ضلالهم.

فإننا مأمورون في الأحكام الشرعية، وقبل التكلم في الوقائع وفي مسائل الشرع، نحن مأمورون بإسنادين:

الإسناد الأول: إسناد النص عن صحة الدليل الذي يُحتَج به من جهة الرواية.

والأمر الثاني: إسناد الفهم؛ أي: أن يكون لنا سلف في هذا الفهم، وهذا الذي درج عليه سلف هذه الأمة، حتى سئل الإمام أحمد عن قول الرجل إذا اختلف الصحابة على قولين، فلي أن أخرج عن قوليهما، وأختار قولاً ثالثاً؟ قال: الإمام أحمد: (( هذا قول خبيث؛ قول أهل البدع))، ذكر هذا أبو يعلى في كتابه “العدة”.

والكلام على الظاهرية وعلى ضلالهم يطول، لكن ينبغي أن يعلم أنهم من أبعد الناس عن مذهب السلف، وأشد ما يوضح ذلك ما تقدم ذكره من المآخذ الخمس، وأوضحها المأخذ الأخير، وهو أنهم لا يحتجون بفهم السلف.

فينبغي لنا أن لا نغتر بمن يدعى تعظيم الدليل، ويظهر الاحتجاج به، وهو في الحقيقة ليس عنده إسناد الفهم؛ أي: لا يحتج بسلف هذه الأمة والعلماء السابقين في فهم النصوص، بل يرى أن له أن يُحدِث قولاً جديداً، هذا فيما يتعلق بالظاهرية.

أما ابن حزم فما يقال في الظاهرية يقال فيه، إلا أن عنده أمورًا أخرى وهي ضلاله في الاعتقاد، فقد بين ابن عبد الهادي –رحمه الله تعالى- في “طبقات المحدثين “أن ابن حزم في الاعتقاد جهمي جلد؛ لأن ابن حزم لا يثبت شيئاً من الصفات.

وأيضا عند ابن حزم خلل فيما يتعلق بالحديث، فإنه لا يعرف الترمذي وجَهَّله، ولا ابن ماجه، ولا يعرف كثيراً من الأئمة، بل إن عنده تأصيلاً خطأً في باب التصحيح والتضعيف، فكل زيادة في الأحاديث إذا زادتها ثقة قبلها، وقد يجعله حديثاً مستقلاً، فأي زيادة يأتي بها الثقة فهو يقبلها، فبهذا أسقط كثيراً من العلل التي علل بها العلماء الأولون وفرسان هذا الحديث من المتقدمين في تعليل الأحاديث؛ لأن عنده أي زيادة يأتي بها الثقة فهي مقبولة على أي حال كان.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما يعلمنا، وأن يصلحنا ويهدينا، وجزاكم الله خيرًا.