قرأت أن الأئمة الثلاثة أبا حنيفة والشافعي ومالكًا لا يكفرون تارك الصلاة، ولم يرمهم أحدٌ بالإرجاء، لكن نرى بعض الناس يرمون الإمام الألباني بإرجاء بسبب هذا الأمر، رغم أنه يقول بقولهم، فما السبب؟


قرأت أن الأئمة الثلاثة أبا حنيفة والشافعي ومالكًا لا يكفرون تارك الصلاة، ولم يرمهم أحدٌ بالإرجاء، لكن نرى بعض الناس يرمون الإمام الألباني بإرجاء بسبب هذا الأمر، رغم أنه يقول بقولهم، فما السبب؟

 

يقال أولًا: قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن يُعلم أن تكفير تارك الصلاة مسألة اجتهادية بين علماء السنة، وممن لم يكن يكفِّر بترك الصلاة الزهري رحمه الله تعالى كما رواه المروزي بإسنادٍ صحيح في كتابه “تعظيم قدر الصلاة”؛ والزهري إمام عظيم من أئمة التابعين، والمروزي نفسه في كتابه “تعظيم قدر الصلاة” جعل المسألة خلافية بين أهل السنة أهل الحديث.

وكذلك نص على هذا أبو عثمان الصابوني في كتابه “عقيدة السلف أصحاب الحديث”، وأيضًا أبو بكر الإسماعيلي في كتابه “الاعتقاد” وأيضًا ممن ذهب إلى أن تارك الصلاة ليس كافرًا الإمام مالك والإمام الشافعي، ونسبه للإمام الشافعي الإمام المروزي، وأحمد في رواية، ونسبه إليه جمعٌ من أصحابه، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإن شيخ الإسلام في أكثر من موضع كما في “مجموع الفتاوى” ينسب القول بعدم تكفير تارك الصلاة إلى أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية.

فإذن، المسألة فيها خلافٌ بين علماء السنة، وهي مسألة اجتهادية، ولا يصح لأحدٍ أن يبدِّع أحدًا؛ لأنه لا يكفِّر بترك الصلاة، أو أن يصفه بأنه مرجئ، أو يقول: دخلت عليه شُبهة الإرجاء؛ لأنه لم يكفِّر تارك الصلاة، من فعل ذلك فهو مخطئ ومخالف لما تقدم ذكره ونقله عن أهل السنة رحمهم الله تعالى.

لكن يبقى تنبيهٌ مهم، وهو أن الإمام إسحاق بن راهويه – رحمه الله تعالى- له كلام في أن من لم يكفِّر تارك الصلاة فهو مرجئ.

وأرجو أن ننتبه إلى هذا الكلام، كلام إسحاق رحمه الله تعالى مبني على أصلٍ عنده، وهو أنه يظن أن القول بتكفير تارك الصلاة مسألةٌ مُجمعٌ عليها، لذلك نقل عنه المروزي أنه يحكي أن العلماء من زمن الصحابة إلى زمنه لا يختلفون في تكفير من ترك الصلاة، أي: من ترك صلاة الظهر إلى أن يخرج وقت العصر، ومن ترك صلاة المغرب إلى أن يخرج وقت صلاة العشاء، فلما ظن هذا إسحاق بن راهويه -رحمه الله تعالى-، ولم يرَ أن من لم يكفِّر إلا المرجئة؛ لذلك قال: من لم يكفِّر تارك الصلاة فهو مرجئ.

إذن كلام الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى -رحمةً واسعة- مبنيٌ على ظنه، أنه ليس في المسألة خلاف.

أما وقد ثبت أن في المسألة خلافًا، وفات هذا الإمام إسحاق بن راهويه، وقد خالف من تقدم ذكرهم من التابعين ومن بعدهم، فإذن يكون كلام الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى غير مقبول، لأنه بني على أنه ليس في المسألة خلاف، وقد ثبت أن في المسألة خلافًا، فإذن لا يصح أن يقال: إن من لم يكفِّر تارك الصلاة فهو مرجئٌ، أو دخلت عليه شُبهة الإرجاء.

ولا يصح أيضًا لمنصفٍ أن يتمسك بكلام الإمام إسحاق بن راهويه؛ لأنه ثبت فيه الخلاف من التابعين ومن بعدهم، وكلامه مبنيٌ على أنه ليس في المسألة خلاف، وهذا خطاٌ، كما تقدَّم بيانه.

بعد هذا، ذكر السائل: أني قرأت للأئمة للإمام أبي حنيفة والشافعي ومالك إلى آخره، لا يكفرون تارك الصلاة، ولم يرمهم أحدٌ بالإرجاء.

يقال: أما مالك والشافعي وأحمد والزهري وأمثال هؤلاء الأئمة الكبار فلم يرمهم أحدٌ بالإرجاء.

ومن رماهم بالإرجاء فهو زائغٌ ضالٌ، مع أنهم لا يكفرّون بترك الصلاة على ما تقدم تفصيله.

أما أبو حنيفة فقد جرى كلام لأئمة السنة في وصفه بالإرجاء، ليس لأجل ترك الصلاة، وإنما لأنه لا يرى العمل من الإيمان، كما نقله عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه “السنة” وغيرهم من أئمة السنة.

فالمقصود أن من تكلم في أبي حنيفة لأجل الإرجاء، فليس لأجل أنه لم يكفِّر بترك الصلاة وإنما لأنه لا يرى العمل من الإيمان، كما هو حال مرجئة الفقهاء.

أما ما يتعلق بالإمام الألباني فوصفه بالإرجاء خطاٌ وظلمٌ، لا يجوز لمن يعلم حال الإمام الألباني أن يصفه بالإرجاء، وهو المعروف بنصرة السنة، وله اجتهادٌ كبيرٌ في مواجهة البِدع، ونشر مذهب السلف.

بل إنه من المجدّدين في هذا العصر في الاحتجاج بفهم السلف، فهو الذي كان يردِّد كثيرًا أنه لابد من كتابٍ وسنة بفهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى رحمةً واسعة، هو الذي رفع راية السلفيين في هذا الزمن بقوة، وصال وجال في هذا.

وهو الذي رحمه الله تعالى واجه التكفيريين، وهو الذي واجه الغلاة في مسائل الجهاد، وهو الذي واجه الحركيين كالإخوان المسلمين وغيرهم، فهو مجددٌ بحقٍ رحمه الله تعالى رحمةً واسعة.

ومن وصفه بالإرجاء فهو أحد أمرين: إما لا يعرف الإرجاء، أو لا يعرف الإمام الألباني، كما ذكر هذا شيخنا الإمام المحقق محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى رحمةً واسعة.

وذلك أن الألباني يقرّ بأن العمل من الإيمان، ويقر بأن العمل يزيد وينقص، ويكفِّر بالأعمال المكفرة، فهو يكفِّر من سب الدِين، ويصف سبَّ الدِين نفسه بأنه كفرٌ، إلى غير ذلك، فكيف يصح أن يُرمى بالإرجاء رحمه الله تعالى رحمةً واسعة.

وقد فصّلت هذا، وبيَّنته أكثر في كتابي “الإمام الألباني، وموقفه من الإرجاء”، فمن أراد معرفة المزيد فليرجع إلى هذا الكتاب، ومن رجع إليه – في ظني- سيظهر له جليًا أن الإمام الألباني رحمه الله تعالى بريءٌ من كونه مرجئًا، كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.

فاللهَ اللهَ يا إخواني بالإنصاف مع عامة الناس، فكيف مع العلماء، وكيف مع رجلٍ مجددٍ كالإمام الألباني رحمه الله تعالى رحمةً واسعة.

وفي ظني إنما اجتهد في نسبة ذلك عن الألباني الحركيّون؛ لأنه كان -رحمه الله تعالى- من أشد الناس عليهم.

وأشهر من أظهر هذا – فيما أعلم- هو سفر الحوالي، في كتابه “ظاهرة الإرجاء”، فقد نقد الألبانيَّ ومهَّد الطريق للقول بأنه مرجئ، وفي المقابل دافع عن سيد قطب في هذا الكتاب، ومجدَّه، وأثنى عليه، ورفع من شأنه، مع أن سيد قطب سبابٌ للصحابة، ويرى أن البحث في زيادة الإيمان ونقصانه أن هذا من الترف، كما ذكر في حاشية أوائل سورة الأنفال، وسبَّ موسى عليه السلام، وسليمان عليه السلام، وداود عليه السلام، وكفَّر أبا سفيان، وسبَّ معاويةَ رضي الله عنه، وسبَّ عمرو بن العاص رضي الله عنه، إلى غير ذلك مما عنده من السوء الكثير.

فيا سبحان الله! أيُّ عدل وإنصاف أن يدافع عن سيد قطب، ويُمجّد، ويُرفع؟! وفي الكتاب نفسه يُمهَّد الطريق للقول بأن الإمام الألباني رحمه الله تعالى مرجئٌ؟!

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا الإنصاف، وأن يحيينا على التوحيد والسنة، وأن يميتنا على ذلك، وأن نلقى الله وهو راضٍ عنا، وجزاكم الله خيرًا.