قال ثابت البناني: سئل أنس مالك-رضي الله عنه- أكنتم تكرهون حجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف” رواه البخاري، ما تفسير هذا الأثر؟ وهل تجوز الحجامة إذا لم تُضعِف الصائم؟


قال ثابت البناني: سئل أنس مالك-رضي الله عنه- أكنتم تكرهون حجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف” رواه البخاري، ما تفسير هذا الأثر؟ وهل تجوز الحجامة إذا لم تُضعِف الصائم؟

 

يُقَالُ جوابًا على هذا السؤال: إن هذا الكلام عن أنس-رضي الله عنه- يدل على أنه يرى أن الحجامة مفطِّرة، وهذا مذهب أبي سعيد وجماعة من صحابة النبي ﷺ، وخالف أبو موسى الأشعري وآخرون وذهبوا إلى أن الحجامة لا تفطر.

فإذاً في المسألة خلاف بين الصحابة، فذهب أنس وجماعة إلى أن الحجامة تفطر، وخالف أبو موسى، وذهب إلى أن الحجامة لا تفطر؛ والقاعدة الشرعية: أن الصحابة إذا اختلفوا يُؤخَذ الأشبه من أقولهم في الكتاب والسنة، كما ذكر ذلك الإمام الشافعي والإمام أحمد، والأشبه بمذهبَي الصحابة هو القول بأن الحجامة تفطر.

ويدل لذلك ما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي من حديث شداد بن أوس: «أن النبي ﷺ مرَّ برَجُلَين يحتجمان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم».

فهذا صريح في أن الحجامة مفطرة.

وإلى هذا ذهب أحمد في رواية، وقد صحح الإمام أحمد حديث شداد بن أوس وصححه غيره.

فإن قال قائل: ماذا يقال فيما روى البخاري عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم».

فيقال: إن هذا الذي رواه ابن عباس عن النبي ﷺ، هذا فعل، والذي جاء في حديث شداد بن أوس قول، والقاعدة الأصولية: أن القول إذا عارض الفعل فإن القول مقدَّمٌ على الفعل، وذلك أن الفعل يتطرق إليه احتمالات أكثر من القول.

فيحتمل في حديث ابن عباس لما قال: «احتجم النبي ﷺ وهو صائم»، يحتمل أنه احتجم، وأفطر، وأن حجامته كانت لسبب، وقد جاء في رواية عند البخاري: «أنه من وجع في رأسه»، فإذًا هو معذور في فطره.

ويحتمل أنه احتجم ولم يفطر، فليس في حديث ابن عباس: أنه أفطر، قال: «احتجم وهو صائم»، وليس فيه: أنه أفطر.

ويحتمل أنه كان مسافرًا، إلى غير ذلك من الاحتمالات، وقد بيَّن هذا ابن القيم-رحمه الله- في كتابه “زاد المعاد”.

فالمقصود: أن القول الصريح هو مقدَّم على الفعل عند التعارض، فإذاً القول بأن الحجامة تفطر هو الأصح – والله أعلم-.