فرقت بين باب التبديع وباب التكفير والتفسيق إلى آخره؟


فرقت بين باب التبديع وباب التكفير والتفسير إلى آخره؟

 

يقال جوابًا على هذا السؤال: الذي فرقت فيه بين التبديع والتكفير والتفسير هو الإعذار بالجهل، فمن ثبت كونه مبتدعًا، أي: ارتكب ما استوجب أن يبدع به؛ فإنه لا يمنع من تبديعه أن يكون جاهلًا؛ لأن الجهل في باب التبديع ليس مانعًا، بخلاف ما إذا كان في باب التكفير فإنه مانع.

ويدل لذلك ما يلي:

الدليل الأول: أن الأصل في كل بدعةٍ أنها كفر؛ لأن حقيقة البدعة تشريع من الدين ما لم يأذن به الله، فصاحبه يقول: هذا دين الله، والقول في أمرٍ بأنه دين الله، وهو ليس كذلك، هو كفر؛ لأن صاحبه شرع من الدين ما لم يأذن به الله.

وقد ذكر هذا ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم”، وفي كتابه”الإخنائية”، وذكر الشاطبي –رحمه الله تعالى- في كتابه “الاعتصام”، وهو أن الأصل في كل بدعة أنها الكفر لولا التأويل.

إذا تبين أن الأصل لكل بدعة أنها الكفر، لأن حقيقتها تشريع من الدين ما لم يأذن به الله، أي: تحليل وتحريم من الدين، وهذا خاص بالله.

فإذا قيل: لا يبدع المبتدع إلا بعد قيام الحجة، فإنه إذا قامت الحجة يلزم من ذلك تكفيره؛ لأن الحجة قامت عليه في ارتكاب أمرٍ، هو كفر، وهو تشريع من الدين ما لم يأذن به الله.

فلذلك لو قيل: بأنه لا يبدع إلا بعد إقامة الحجة، للزم من ذلك أمر، وهو أن يكون كل من قامت الحجة، وقد وقع في البدعة أن يكون كافرًا، فإن لم تقم عليه الحجة فلا يكون مبتدعًا.

فإذن على هذا لا يوجد أحد يوصف بأنه مبتدع، وكذلك إن قامت عليه الحجة كفر، وإن لم تقم عليه الحجة فلا يكون مبتدعًا عند من يقول: لا يبدع إلا بعد قيام الحجة.

أما إذا قيل: إن التبديع يكون من غير قيام الحجة.

فيقال: لو قامت الحجة عليه لصار كافرًا، لو علم أن هذا تشريع من الدين ما لم يأذن به الله، وقال: نعم أنا الذي شرعته، وليس عندي دليل على ذلك …إلى آخره لكان كافرًا.

أو يقال: إذا لم تقم الحجة عليه – وهذا القسم الآخر- فإنه يكون مبتدعًا، وهذا أمر أرجو أن يتفطن إليه.

الأمر الثاني- أن هذا صنيع السلف، فإنهم عمليًا قاموا بتبديع الكثيرين بلا إقامة حجة.

من ذلك: ما روى ابن بطة في كتابه “الإبانة الكبرى”: ((أن سفيان الثوري دخل البصرة، فسأل عن الربيع بن صبيح، قالوا: عالم سنة، قال: فمن جلساؤه؟ قالوا: قدرية، قال: هو قدري)).

لم يتوقف التبديع عند سفيان على إقامة الحجة على الربيع، وإنما بدعه؛ لأنه وقع فيما يستوجب التبديع، وهو مجالسة المبتدعة كالقدرية.

ثم أنت ترى في صنيع علمائنا وعامة الناس اليوم، يقولون في عوام الصوفية: إنهم مبتدعة.

هل يقول أحد في عوام الصوفية: إنهم ليسوا مبتدعة؛ لأن الحجة لم تقم عليهم، إذن هم سلفيون.

يقال: كلا! بل هم مبتدعة، حتى ولو لم تقم الحجة عليهم.

لذا؛ باب التبديع يختلف عن باب التكفير، فيبدع الرجل حتى ولو لم تقم الحجة عليه، وهذا ليس تناقضًا، بل هذا لما تقدم ذكره من الدليلين السابقين، وهو أن الأصل في كل بدعة أنها كفر، والثاني من صنيع السلف.

ومما يوضح أنه صنيع السلف أن الرازيين في عقيدتهما التي حكوا عليها إجماع السلف، ذكروا في كلامهم: من قال: كلام الله مخلوق، فهو كافر.

ثم قالوا: فإن كان جاهلاً عُلِّم وبدع، فإذن أهل الجهل بُدِّعوا، وهذه العقيدة يحكونها عن السلف.