ظاهرة الغلو في التكفير عند الأشاعرة


الحمد لله أما بعد : فالأشاعرة هم المنتسبون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت:324) الذي كان إماما في الاعتزال، ثم فارق المعتزلة وانتسب إلى السنة، وسلك في الصفات طريق ابن كلاب الذي كانت له آراء توسط فيها بين المعتزلة وأهل السنة، وغلا في مخالفة المعتزلة في بعض القضايا العقدية وتطرف في ذلك حتى صار إلى آراء الجهمية.

ظاهرة الغلو في التكفير عند الأشاعرة

(الأشعرية في الإيمان على مذهب الجهمية)

ومن تلك القضايا قضايا الإيمان والكفر وحكم مرتكب الكبيرة، فالمعتزلة كما هو معلوم يقولون إن مرتكب الكبيرة في المنزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، ويوم القيامة يكون من المخلدين في جهنم، وسلفهم من الخوارج يحكمون عليه بالكفر في الدنيا والخلود في النار في الآخرة، والأشعري عندما فارقهم ترك قولهم وأثبت ما يثبته أهل السنة من أخبار الشفاعة والميزان، لكنه لم يقف عند ما وقف عنده أهل السنة فقابل البدعة بالبدعة والغلو بالغلو، فذهب إلى تجويز أن يغفر الله لجميع أهل الكبائر وهذا مخالف لدلالة أحاديث الشفاعة نفسها، ولكي يسلم من تكفير العصاة أخرج الأعمال من مسمى الإيمان، بل جنح إلى مذهب غلاة المرجئة من الجهمية الذين يقولون الإيمان المعرفة والكفر هو الجهل، حتى صاروا يقولون من سجد لغير الله أو أهان المصحف عمله هذا ليس بكفر لأن الكفر التكذيب أو الجهل، بل ولو حارب الدين لا يكفر حتى يكذب به، ولما تبنى الفقهاء المتأخرون مذهب الأشعرية احتاروا كيف يوفقون بين ما هو مقرر في أبواب الردة من كتب الفقه وبين ما هو مدون في كتب الكلام على الطريقة الأشعرية، فأجازوا الحكم بكفر الظاهر دون الباطن، فقالوا من سب الله أو الدين مثلا كفر ظاهرا مراعاة لما هو مدون في كتب الفقه التي ينتهي سندها إلى أئمة السلف، وقالوا بإيمانه باطنا بناء على عقيدة الجهمية الفاسدة التي لا تعد شيئا من الأعمال كفرا.

(إرجاء الأشعرية لم يمنعهم من الغلو في التكفير)

هذا تصوير موجز لعقيدة الأشعرية التي تعتبر أحد أسباب انتشار الإرجاء ومظاهر التفسخ والانحلال في تاريخ الإسلام، ولكن مع كل هذا الفرار من التكفير إلى حد عدم تكفير من كفره واضح بدلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف، فإن الأشاعرة لم يسلموا أيضا من الوقوع في تكفير المسلمين بغير حق، بل وقعوا في أقصى درجات الغلو في التكفير؛ وهو تكفير عموم المسلمين إلا من حقق شروطا عزيزة هم من وضعها وقررها.

(تكفير عوام المسلمين)

ولنبدأ بتجلية هذه النقطة المهمة، وهي تكفير عموم المسلمين الذين لم يتلقوا عقيدتهم في الله تعالى بالنظر؛ الذي هو ترتيب الأقيسة العقلية لإثبات وجود الله تعالى كدليل الحدوث ودليل الإمكان ونحو ذلك، حيث تجدهم يقررون في كتبهم وجوب النظر العقلي لإثبات وجود لله تعالى، ومن لم يعتمد هذه الطرق العقلية سموه مقلدا ثم قرروا أن إيمان المقلد لا يصح، هذا مذهب الأشعري وأئمة أصحابه واختيار محمد بن يوسف السنوسي (ت 895) صاحب أم البراهين وغيرها من كتب الكلام المعتمدة عند المتأخرين، وقد قال في كتابه المنهج السديد (ص:48):” وهو قول الجمهور وبعضهم يحكي الإجماع عليه” ثم نسب ترجيحه للأشعري والباقلاني (ت:403) والإسفرئيني (ت:418) والجويني (ت:478) وأكثر الأشعرية، وليس في الدنيا مذهب أشد تطرفا في التكفير للمسلمين من هذا المذهب لأنه تكفير يشمل مسلمي جميع العصور إلى يومنا هذا.

وهذه شهادة أبي إسماعيل الهروي (ت:483) فيهم إذ يقول (كما في بيان تلبيس الجهمية 1/273): “وأبطلوا التقليد فكفروا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم وعوام المسلمين، وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم فكفروا السلف”.

وممن شهد بذلك القرطبي (ت:671) في تفسيره حيث قال (7/332):”ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر ؛ فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين ، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه. وقد أورد على بعضهم هذا فقال : لا تشنع علي بكثرة أهل النار. أو كما قال.
قلت : وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه ؛ لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين ، واقتحموا في تكفير عامة المسلمين”.

ولذلك فقد أنكر بعضهم هذه العقيدة، وذهب إلى أن إيمان المقلد يصح، لكنه فاسق وعاص لعدم تحصيله للنظر، وهذا مذهب أبي جعفر السمناني (ت:444) ومن وافقه من المتأخرين، ومفهوم هذا الكلام تفسيق جميع أمة الإسلام عبر العصور سوى الفئة التي تمكنت من دراسة علم الكلام وفقهت معانيه الغامضة والمعقدة. ومنهم من استبشع هذه الأقوال فخص حالة العصيان بالقادر على النظر ليفسق أو يكفر العلماء دون العوام.
وذكر بعض المتأخرين قولا يستثني من الكفر من قلَّد القرآن والسنة القطعية لأنهما مصدران معصومان، ولكن السنوسي يبطل هذا التفريق وينسبه إلى أهل البدع وقد قال في المنهج السديد (ص:50):” فإن الاستناد في عقائد التوحيد إلى التقليد المحض لظواهر الكتاب والسنة لا يؤمن فيه من الخطأ والبدعة والكفر الصريح، كما لا يؤمن من ذلك في الاستناد إلى آحاد العلماء فيبطل هذا التفريق الذي سلكه هذا القائل، وقد عزى هذا القول ابن الدهاق (ت:610) إلى الحشوية طائفة من المبتدعة”، وقد صرح في كتابه شرح أم البراهين (ص:78) بأن تقليد الكتاب والسنة من أصول الكفر، وتبعه على ذلك الصاوي المالكي (ت:1241) في حاشيته على تفسير الجلالين (3/10).

وهنا يطرح سؤال كيف يذهبون إلى مثل هذا الغلو القبيح في التكفير مع قولهم بمذهب غلاة المرجئة، ولهذا جوابان أحدهما: أن هذه المقالة التكفيرية من رواسب الاعتزال التي بقيت في المذهب ولم يتخلص منها الأشعري، وهذا رأي أبي جعفر السمناني الذي لم يرتض مذهب التكفير كما سبق واكتفى بالتفسيق، انظر فتح الباري (1/67).

والثاني: أن هذه المقالة التكفيرية الخطيرة هي لازم تعريفهم للإيمان بالمعرفة والكفر بالجهل، وعندهم من لم يثبت وجود الله بالأدلة العقلية فهو جاهل به وإن آمن به، لأن إيمانه مبني على التقليد الذي لا يوصل إلى اليقين، والعقيدة عندهم لا يفيد فيها الظن الراجح بل لا بد فيها من اليقين.

(تكفير المخالفين من أهل القبلة)

ومن مظاهر غلوهم في التكفير تكفيرهم لكل من خالفهم في آرائهم من طوائف المسلمين؛ وإن أثبت وجود الله تعالى بأدلتهم العقلية، يكفرون كل من خالفهم مع أنهم قد قالوا بأشياء كثيرة مخالفة للكتاب والسنة ومناقضة للمعقول والفطرة، ومنهم من نقل عن الأشعري أنه تراجع عن تكفيره للطوائف الأخرى في فراش الموت، وممن روى ذلك البيهقي (458) في معرفة السنن والآثار (7/430) قال: سمعت أبا حازم العبدوي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري رحمه الله ببغداد دعاني فأتيته، فقال: « اشهد علي أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات»، ولكن هذا الرواية وهذا التراجع لم يبلغ جميع الأشاعرة، لذلك تجد كثيرا منهم مصرا على قضية تكفير المخالفين، قال الشيرازي في معتقده كما مقدمة في شرح اللمع (1/111):« فمن اعتقد غير ما أشرنا إليه من اعتقاد أهل الحق المنتسبين إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه فهو كافر».
وبعد هذا تعالوا بنا ننظر في بعض هذه القضايا التي قال بها الأشاعرة، وجمهورُ المسلمين اليوم لا يقولون بها بل لم يفكِّروا فيها في يوم من الأيام.
ولنبدأ بمسألة علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه تلك المسألة الفطرية التي دلت عليها النصوص المتواترة في الكتاب والسنة، والأشاعرة يناقضون النصوص ويخالفون الفطرة ويزعمون أنه في كل مكان فوق العرش وتحته، في السماء وفي الأرض، ويصفون مخالفهم الذي يتبع دلالة الكتاب والسنة ومذاهب السلف بالكفر.
ومن تلك المسائل مسألة نفي الطبائع، حيث يزعم الأشاعرة أن النار لا تحرق، وأن الأكل لا يورث الشبع، وأن السيف لا يقطع، وأن الذي يحدث الحرق والشبع والقطع إنما هو الله عز وجل، ثم يقولون كل من أثبت للأشياء تأثيرا فقال: إن النار تحرق بطبعها أو إن الطعام يوجب الشبع أو أن السيف يحدث القطع فقد كفر وجعل لله الأنداد ؟! وهم بصنيعهم هذا يخالفون الحس والعقل ويكفِّرون العقلاء جميعا.
وفي هذا السياق هم يكفرون من لم يقل في باب القدر بالكسب على طريقتهم، وهو كسب من أحدثه لا أظنه قد فهمه فهم اقتناع؛ فكيف بعامة المسلمين اليوم وقبل اليوم، حيث يعرِّفونه بأنه فعل لا قدرة له على التأثير، لأنهم رأوا من لم يقل بكسب الإنسان خالف النقل والعقل والحس، ولكنهم وقعوا في إشكال وهو أنهم إذا أثبتوا حقيقة كسب الإنسان فقد نسبوا إليه فعلا وتأثيرا وهم يقولون هذا شرك وكفر مخرج من الملة، لأن الفاعل الوحيد في العالم هو الله تعالى، فاضطروا بعد ذلك إلى تفسير الكسب بأنه “فعل لا قدرة له على التأثير”، ويطلبون من المسلمين أن يؤمنوا به وإلا كفروا وكانوا على غير ملة الإسلام.

(عدم التفريق بين تكفير النوع وتكفير المعين)

ومما ينبغي ملاحظته عند الأشاعرة أنهم عندما يتكلمون في مسائل الكفر أنهم لا يفرقون بين كفر النوع وكفر العين، فمن وقع في الكفر عندهم فهو كافر، وأنهم لا يعرفون شيئا يسمى توفر شروط وانتفاء الموانع أو عذرا بالجهل، وكيف يكون الجهل عذرا وهو عين حقيقة الكفر عندهم، الأمر الذي يجعل مذهبهم مفتوحا على باب تكفير الأعيان بلا حدود أو ضوابط.
ولذلك تجد بعض متأخريهم لا يتورعون عن تكفير أعلام الأمة الذين يخالفونهم ويجتهدون في كشف ضلالاتهم، ومن ذلك تكفير بعضهم لعبد الله بن أحمد بن حنبل (ت:290) ولإمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة(ت:311) وشيخ الإسلام ابن تيمية (ت:728) رحمهم الله، ولعموم أهل السنة من السلف والخلف عندما ينبزونهم بالمجسمة والمشبهة؛ وحكم المشبه حقيقةً هو الكفر قولا واحدا.

(المخرج من الغلو اتباع منهج السلف)

وبعد هذه الجولة مع عقائد الأشعرية وغلوهم في تكفير عوام المسلمين وعلمائهم، يظهر لنا جليا أن طريق الاعتدال في قضايا الإيمان والحكم على الناس لا يمكن أن يلمتس في أي مذهب من المذاهب الكلامية، وأن ذلك لا يوجد إلا في طريق أهل السنة والجماعة، الذي سلم والحمد لله من أقوال المرجئة الشنيعة، ومن تكفير المسلمين بغير حق، وأن طريق أهل الأهواء لا خير فيها سواء على الصعيد الديني الاعتقادي أو على الصعيد الاجتماعي، وعلى من أراد تحقيق الأمن الفكري والأمن العقائدي والأمن الاجتماعي أن يطلبه في هدي القرآن والسنة وطريق سلف الأمة، قال تعالى : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام/153]، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.