ضرورة الإنكار بدون إثارة


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

عباد الله : اتَّقُوا ربكم وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ وَاحْذَرُوا مَعْصِيَتَهِ، وَكُونُوا عَلَى وَجَلٍ وَخَوْفٍ مِنْ عِقَوباتهِ الدُّنْيَوِيّة وَالأُخْرَوِيِّة، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ يُمْهِلُ وَلا يُهْمِلُ، لَكِنَّهُ إِذَا أَخَذَ انْتَقَمَ وَأَوْجَعَ، في الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)

فمعصيته سبحانه بمخالفة أمره أو الوقوع فيما نهى عنه

ذنب يستحق عليه العبد العقوبة إما عاجلا أو آجلا

فالذنوب سبب لحرمان الرزق قال تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} وقال تعالى:(وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ )

 فابتلاهم الله بالجدب سنة بعد سنة ، وحبس عنهم المطر فنقصت ثمارهم وغلت أسعارهم (لعلهم يذكرون )

وَمِنَ آثَارِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ: مَحْقُ الْبَرَكَةِ فِي الْمَالِ وَالْعُمُرِ وَالْوَقْتِ، فَكَمْ يَشْتَكِي النَّاسُ مِنْ أَنَّ الرَّاتِبَ أنه مَا يَكْفِي، وَأَنَّهُ سُرْعَانَ مَا يَخْتَفِي،بشراء حَاجِيَّاتِ ، وَلا يُحِسُّ بِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِمَالِهِ، وَتَمُرُّ عَلَيْهِ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي وَلَمْ يَسْتَفِدْ مِنْ وَقْتِهِ، فَتَجِدَ الْكَثِيرِينَ لا يَحْفَظُونَ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا  قَلِيلاً، وَلا يَعْرِفُونَ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُسَاوِي قِطْمِيرا، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْفِقْهِ مِثْقَالاً وَنَقِيرَا، وَلَوْ فَتَّشْتَ نَفْسَكَ لَوَجَدْتَ أَنَّكَ السَّبَبَ

عَنْ ثَوْبَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ” رَوَاهُ أَحْمَدُ وصححه الحاكم ولم يتعقبه الذهبي

فَمَا اسْتُجْلِبَت الأرِزْاقُ بِمِثْلِ تَرْكِ الْمَعَاصِي.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ” إِنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوَادَاً فِي الْوَجْهِ، وَظُلْمَةً فِي الْقَبْرِ وَالْقَلْبِ، وَوَهَنَاً فِي الْبَدَنِ، وَنَقْصَاً فِي الرِّزْقِ، وَبَغْضَةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ”.

إنّ المعاصيَ والذنوب سببٌ رئيس للخوفِ والقلَق والمصائِب والفِتن، قال الله تعالى محذِّرًا مِن مخالفةِ رسوله  :  فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ) وقال سبحانه :(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: (أمَر اللهُ المؤمنين أن لا يقِرُّوا المنكرَ بين أظهرهم، فيعمَّهم العذاب )ولهذا تواردت النصوص في الترهيب من ترك انكار المنكرات الظاهرة .

روى الترمذي وصححه الألباني عن حذيفة –رضي الله عنه مرفوعاً: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) وروى ابن ماجة وحسنه الألباني عن عائشة –رضي الله عنها- مرفوعاً: (مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا

يستجاب لكم)

يقول عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى – : ( إنه لم يظهر المنكر في قوم قط ثم لم ينههم أهل الصلاح بينهم إلا أصابهم الله بعذاب من عنده أو بأيدي من يشاء

 من عباده)

روى الخمسة عدا النسائي بإسناد لابأس به أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك [لاحظ أنه أنكر عليه لكنه]، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله ، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض) . ثم قرأ: ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون … ثم قال : (كلا والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطراً ، ولتقصرنه على الحق قصراً ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم)

عباد الله :غايةٌ في التشدِيد ونهايةٌ في التهديد ، نسأل

 الله أن يتدارَكَنا بعفوه ولطفِه ورحمتِه، وأن يهديَ

ضالَّنا.

أيّها المسلمون: وإذا عجز عن قول اللسان وترتب على هذا

مفسدة أنكر بالقلب، لكن الإنكار بالقلب معناه أن يظهر علامة الإنكار على وجهه، من تقطيب وتعبيس للوجه، ثم يفارق المنكر ولا يجلس معهم ، وأما من جلس معهم ويزعم أنه ينكر بالقلب، فليس بصادق، قال تعالى:(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) 

واعلموا عباد الله أن من أظهر المنكر وجب الإنكار عليه علانية كما ذكر ابن تيمية وابن باز ، دون استثناء الا ما استثناه الشرع وهو ما يتعلق بالحاكم ، فينكر المنكر دون ذكر له حتى لا تسقط هيبته عند الناس ، مع مناصحته في السر لحديث أسامة في الصحيحين لما قيل له ألا تدخل على عثمان لتكلمه ؟ فقال: ” إنكم لتـُرَوْنَ أني لا أكلمه إلا أسمعكم، إني أكلمه في السر، دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه) قال الحافظ ابن حجر : يعني الإنكار على الأئمة علانية، خشية أن تفترق الكلمة .

ولحديث عياض بن غنم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ) رواه أحمد بسند صحيح ، قال الشيخ ابن باز : (أما إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل: فينكر الزنى وينكر الخمر وينكر الربا من دون ذكر من فعله، فذلك واجب؛ لعموم الأدلة. ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها لا حاكما ولا غير حاكم”. قال الشيخ ابن عثيمين : إنكار المنكرات الشائعة مطلوب ولا شيء في ذلك، وانما المنهي عنه الإنكار على الحاكم ، مثل أن يقوم إنسان ويقول مثلا: الدولة ظلمت، الدولة فعلت، فيتكلم في الحكام بهذه الصورة العلنية، مع أن الذي يتكلم عليهم غير موجودين في المجلس ).

عباد الله : الصراع بين الحق والباطل قائم ، وهو من حكمة الله لشحذ الهمم للاجتهاد في التعلم والتعليم والدعوة إلى الله بطرق شتى ، فلنترجم تأثرنا مما يقع من منكرات في واقعنا العملي بالاجتهاد في الدعوة، ونشر الخير بين الناس بالوسائل المتنوعة .

حمى الله بلادنا وبلاد المسلمين من الفتن ودعاة الشر والإنحلال .

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

والصلاة على خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين.    أما بعد

عباد الله :  إن مما ابْتُلِي به فِئَام من الناس تلقف الأخبار ونشر الشائعات دون تثبت أو نظر ، مع تَنَوع الوسائل وتَعَدُّدها عن طريق الشبكة العنكبوتية بوسائلها المختلفة، فأصبحت الإشاعة أكثر رواجًا وأبلغ تأثيرا ، في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ »  وفي حديث سمرة بن جندب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في رؤياه   قال:(إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بِكَلُّوبٍ من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى) قال: (قلت: سبحان اللَّه! ما هذان ؟ قال :إنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق ) رَوَاهُ البُخَارِي .

الشائعات جريمة ضد أمن المجتمع، وصاحبها مجرم في حق دينه ومجتمعه وأمته،ولو وئدت لماتت في مهدها ولم تجد من يحيها إلا من المنافقين .

وعلى شاكلتها نشر المنكر بزعم انكاره ولو كان صحيحا إذا لم يكن ظاهرا يعرفه الناس ولا أثر له فيهم ، بل يُخشى أن يكون مبلدا للإحساس عند ضعفاء الإنكار فيكون السُّكوت حينئذ عونًا على اندثار هذا الباطل وإماتته.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر

أعداء الدين ، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاءً

رخاءً وسائر بلاد المسلمين .

اللهم من أراد بلادنا بفتنة وولاة أمرنا بسوء وشبابنا بضلال  ونساءنا بتبرج وسفور اللهم أشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرًا له يا سميع الدعاء

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى .

اللهم وفق جنودنا المرابطين على أمن بلاد الحرمين وأيدهم بتأييدك .

اللهم انصر المستضعفين من المؤمنين، اللهم ارحم المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، اللهم فرج همهم وارفع الغمة عنهم في سوريا وفي كل مكان .

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين ..اللهم أغثنا ..    اللهم صل وسلم على نبينا محمد صلاة وسلام دائمين إلى يوم الدين وعلى آله وصحبه أجمعين .