صد العدوان الإعلامي عن الشريعة المحمدية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي منّ علينا بالإسلام وطاعة ربنا الرحمن .

الحمد لله الذي أحيانا على التوحيد والسنة بفضله وكرمه .

والصلاة والسلام على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين، وإمام المتقين، ووصي رب العالمين .

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 21-22].

 

أما بعد:

 

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

 

إنه لا أعز من الدين، ومن طاعة الله رب العالمين، وهو أعظم أمانة حملها الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: 72]، رُوي عن عبد الله بن عباس وقتادة وجماعة من السلف أن المراد بالأمانة الدين.

 

فدين الله أمانة على كل مسلم، فيجب على المسلمين أجمعين أن يقوموا بدين الله رب العالمين، اعتقادًا وقولًا وعملًا وحفظًا وحماية، لئلا يُحرف ولا يُغير، فإنه أمانة عظيمة.

 

وقد تكفَّل ربنا بأن هناك طائفة ستبقى على الحق، وتقوم على الدين ظاهرة، وتقوم بالدين متمسكة، أخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- وعن غيرهما، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك».

 

اللهم يا من لا إله إلا أنت، اجعلنا من هذه الطائفة المنصورة القائمة بدينك يا رب العالمين.

 

وإن من صور القيام بأمانة الدين أمورًا كثيرة، منها:

 

الأمر الأول:

أنه كما أن ألفاظ القرآن محفوظة فكذلك سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: حفظ الله القرآن وكل ما يُفهم به القرآن من لغة العرب وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

فكذلك فهم دين الله محفوظ فلا يصح أن يبقى الفهم مُشاعًا مُشرَّع الأبواب، كلٌ يفهم دين الله بما يشاء، فإن الله تكفَّل بحفظ دينه، ومقتضى حفظ دينه أن يحفظه من من جهة الفهم.

 

قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: 115]، فإذن لابد أن يُفهم كتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- بفهم السلف الماضين، بفهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والصحابة الكرام-رضي الله عنهم أجمعين-، والتابعين لهم بإحسان.

 

قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].

 

فلابد أن نكون سلفيين، أي متبعين للسلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، في فهم دين الله، حتى لا يُضيَّع الدين، فإنه إذا ذكرت آية أو حديثٌ فلكل أحد أن يفهمه بعقله القاصر، لكن إذا ضُبط الأمر كما ضبطه الله في كتابه، بأن يُفهم بفهم السلف الأولين، وباتباع السابقين، فإن دين الله يُحفظ روايةً ودراية.

 

فالله الله أن نفهم كتاب الله بالرجوع إلى السلف الأولين، وألا يُضيع دين الله الذي هو أعظم أمانة حُمِّلها الإنسان.

 

الأمر الثاني:

إن من حفظ الدين ألا يُؤخذ إلا عن الموثوقين، فما أكثر المتكلمين في دين الله في المنصات الإعلامية أو منابر الجمعة، أو في الحلق، أو غير ذلك، يجب أن نكون حذرين، ومُحتاطين، وألا نأخذ الدين إلا عن العلماء الموثوقين.

 

روى الإمام مسلم في مقدمته عن التابعي الجليل محمد بن سيرين -رحمه الله تعالى- أنه قال: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”.

 

قد منَّ الله علينا بأئمة سنة، يتعاقبون في نُصرة دين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، قرنًا بعد قرن، إلى هذا القرن الذي أدركناه، فقد منَّ الله بأئمة سنة كالإمام عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-، والإمام محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى-، والإمام محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-، والعلامة صالح الفوزان -حفظه الله تعالى وأطال عمره على طاعته-.

 

وغيرهم من العلماء الموثوقين ومن طلاب العلم الذين يسيرون على طريقتهم.

 

فيا أمة محمد، زِنوا الناس بهؤلاء العلماء الموثوقين، وارجعوا في كل ما يُشكل عليكم لهؤلاء العلماء الموثوقين المتبعين للسلف الماضين.

 

ولما خالف هذا كثيرون  أصبحوا في لبس وحيرة تسببوا فيها على أنفسهم.

 

الأمر الثالث :

عدم تتبع الرُّخص، إنه قد صار دين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- عند بعض المسلمين أرخص ما يكون، ما إن يسمع فتوى فيها تيسير أو تسهيل إلا ويُسابق لهذه الفتوى، لأن فيها تيسيرًا وتسهيلًا، فيتبع هواه وما تشتهي نفسه، وقد امتدح الله من خالف هوى النفس لا من اتبعها.

 

قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40-41].

 

فما إن يسمع فتوى في قناة فضائية، أو في موقع من المواقع الالكترونية، أو في غير ذلك إلا ويُسارع إليها بحجة أنها سهلة، وهذا من الخطأ العظيم، فوالله لو أراد أحدنا أن يشتري سيارة، بل لو أراد أن يشتري جوالًا لسأل فلانًا وفلانًا، واحتاط في اختيار الأحسن والأنسب ، فكيف بدين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-؟

 

اعلموا –إخواني- علمًا لا مرية فيه أن من تتبع الرخص فقد فعل محرمًا مجمعًا عليه  قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في كتابه (جامع بيان العلم وفضله): وقد أجمع العلماء على حرمة تتبُّع الرُّخص.

 

وروى ابن عبد البر بإسناده عن سليمان التيمي -رحمه الله تعالى- أنه قال: إنك إن أخذت برخصة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله.

 

فأصبح بعض الناس ما إن يسمع قولًا ثم يسمع أن فيه خلافًا إلا ويرد الدليل الشرعي بحجة أن في المسألة خلافًا، قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في كتابه (جامع بيان العلم وفضله)،: قد أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يُرد الدليل من الكتاب والسنة لأجل أن في المسألة خلافًا.

 

فإننا مأمورون عند الخلاف أن نرجع إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا أن ترد الكتاب والسنة لأن في المسألة خلافًا، قال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10].

وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: 59].

 

الأمر الرابع :

يا أمة محمد، إنكم مغزوون في دينكم، وفي عقيدتكم، وبكل صورة ممكنة، فأعداؤنا يُحاولون تغيير ديننا، ويُحاولون تغيير عقيدتنا عبر هذه القنوات الفضائية وغيرها، فاتقوا الله  واحذروا مواطن الشبه.

 

أخرج البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ستكون فتن، الماشي فيها خير من الساعي، والقائم خير من الماشي، والقاعد خير من القائم»، لاحظ الشريعة تدعوك أن تبعد عن الفتن، ثم قال: «فمن استشرفها استشرفته».

 

فاتقوا الله يا أمة محمد، وابتعدوا عن هذه البرامج والحلقات التي تُنش عبرها الفتن الملبسة على المسلمين دينهم، تارة يُجرى لقاء مع أحدهم يقول: إنه لا يوجد سحر حقيقي!!

وهذا تكذيب صريح للقرآن الذي أثبت السحر الحقيقي قال سبحانه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102].

 

فهو سحر حقيقي سبب للتفريق بين المرأة وزوجها، فكيف يُقال إنه لا يوجد في الشريعة سحر حقيقي؟

 

وخرج أحدهم وزعم: أن الأحاديث النبوية ليست حجة!

يُكذب كتاب الله الذي يأمرنا بالرجوع إلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: قد أمرنا الله في كتابه في بضعة وثلاثين موضعًا أن نرجع إلى سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

ثم يخرج باسم القرآن، وتعظيم القرآن، فيدعونا إلى ترك سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!

 

ويخرج أحدهم قائلًا: يكفي أن يكون الإيمان في القلب، فلا يحتاج أن تصلي الصلوات الخمس ولا غيرها!

يا لله! ما أكثر الأدلة في الكتاب والسنة في الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأنها من الدين وأن تركها سبب للوعيد الشديد ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]

ويخرج آخر زاعمًا أنه لا يجب على المرأة طاعة زوجها ووليها

 

يا سبحان الله!

أيقال هذا والله يقول : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]، ألا تسمع كتاب الله؟

لماذا تدعو المرأة أن تعصي زوجها؟ والبنت ألا تلتفت إلى أبيها وأخيها؟

كل هذا دعوة لإفساد ديننا وعقيدتنا، ومجتمعنا، فيا عباد الله اثبتوا.

 

اللهم يا من لا إله إلا أنت، اللهم أحينا على التوحيد والسنة وأمتنا على ذلك، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن يا أرحم الراحمين، اللهم أحينا على ما يُرضيك، واجعلنا نلقاك راضيًا عنا يا رب العالمين.

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن الدين أعظم نعمة ، قال تعالى ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17]، وقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]

وحفظه أعظم أمانة، وأعظم سبيل لحفظ الدين نشر العلم والتوحيد والسنة بكل وسيلة متاحة؛ بإلقاء الكلمات والدروس لمن كان مستطيعًا، أو نشر كلام العلماء والدعاة الموثوقين بتويتر والواتس وغيرها ، وتعاهد الزوجات والأولاد بالعلم بالتوحيد والسنة والعلم الشرعي أو طباعة الكتب في التوحيد والسنة ومن أنفع الكتب وأسهلها في التوحيد كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله- ككتاب القواعد الأربع وكتاب ثلاثة الأصول وكتاب التوحيد وكتاب فضل الإسلام .

 

اللهم احفظ علينا ديننا

اللهم احفظ علينا ديننا، وجنبنا الشبهات والشهوات .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وارفع راية التوحيد والسنة في كل مكان .