صاحب محلَّ اتفق مع العامل الذي سيشتغل معه على الشغل بالمحل لمدة أقلها خمسة أشهر، وعندما أكمل العامل أربعة أشهرٍ، أصرّ العامل على التوقف، وذَكَّره صاحب المحل أن عدم الوفاء بالعهد من صفات المنافقين، وأن المسلمين عند شروطهم، فما هو الصواب؟


صاحب محلَّ اتفق مع العامل الذي سيشتغل معه على الشغل بالمحل لمدة أقلها خمسة أشهر، وعندما أكمل العامل أربعة أشهرٍ، أصرّ العامل على التوقف، وذَكَّره صاحب المحل أن عدم الوفاء بالعهد من صفات المنافقين، وأن المسلمين عند شروطهم، فما هو الصواب؟

يقال: يجب على العامل أن يُكمِل عَملَه؛ لأن عقد الإيجار عقدٌ لازمٌ، كعقد البيع، فهو عقدٌ لازمٌ، والإجارة كالبيع، إلا أن البيع يكون في الأعيان، والإجارة تكون في المنافع، وقد قال الله سبحانه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١] ومن ذلك عقد الإجارة.

فيجب على العامل أن يكمل، فإذا لم يكمل العامل، فالذي استأجره يعطيه قدر أجرته، وهو عمل أربعة أشهر، كما في السؤال، وقد ذكر هذا جمهور أهل العلم كالحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول عند الحنابلة.

لأن الإجارة تتبعّض، ولأن للعامل حقه فيما عمل.

لكن بما أن عقد الإجارة عقدٌ لازمٌ، لو قدّر ترتّب على توقف العامل خسارة ماليه؛ فإنه يجب أن يُرجَع على العامل، وأن تؤخذ هذه الخسارة المالية، لأن عقد الإجارة عقد لازمٌ، كما تقدم بيانه.

أما القول: هل هو من صفات المنافقين؟

يقال ينبغي أن يعلم ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين، لما قال:(( صفات المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف)) المراد هنا: أي: أنه منذ أصل الوعد يبطن الإخلاف، لا أن يواعد، وينوي الإيفاء بالوعد، ثم طرأ له شيء، ولم يفعل ذلك، فمثل هذا لا يُعَدُّ من صفات المنافقين.

فلو أن الرجل واعد رجلًا أن يعطيه مالًا، أو وعد رجلًا أن يزوره، وفي نيته أن يفعل؛ لكن بدا له بعد ذلك أن لا يفعل، فلا يقال: إن مثل هذا قد تلبَّس بصفة من صفات المنافقين، بخلاف ما إذا وعد رجلًا أن يعطيه مالًا، أو أن يزوره، وفي نفسه في وقت الوعد أن لا يفعل، فمثل هذا هو من صفات المنافقين، وأشار لهذا الحافظ ابن رجب في “شرحه على الأربعين”.

ومثل هذا تحقق فيه وصف النفاق؛ لأن وصف النفاق هو مخالفة السر للعلانية والظاهر للباطن، فإن كان عقديًا كان نفاقًا أكبر، وإن كان عمليًا كان نفاقًا أصغر.

ففي مثل ما تقدم إذا وعد أن يزوره، وفي نفسه ألا يفعل، فقد خالف الظاهرُ الباطنَ، فمثل هذا تحقق في حقه وصفه وصف النفاق.

أما إذا لم يكن كذلك؛ فإن الظاهر لم يخالف الباطن؛ لأنه لما وعده كان عازمًا على أن يفعل، فاتفق الظاهر والباطن، فمثل هذا لا يوصف بالنفاق، ولو قُدِّر أنه بعد ذلك لم يوف بعهده.

أسأل الله أن يوفقني وإياكم، ويعيننا على طاعته، و جزاكم الله خيرا