شهر صفر بين الجاهلية والإسلام


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة التوحيد وأكَّدها بنعمة التوكُّل وإبطال التنديد، والصلاة والسلام على رسول الله سيد المتوكلين وإمام الغر المحجلين -صلى الله عليه وسلم-.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

أما بعد:

فإن من مقاصد الإسلام مُخالفة كل نقصٍ، والدعوة إلى كل كمال بشري، ومن ذلك مُخالفة الشريعة لأهل الجاهلية، وهي الأفعال التي سببها الجهل لا العلم والعقل، قال تعالى: ﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ﴾ [الأحزاب: 33].

قال أبو ذر-رضي الله عنه- ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية». رواه البخاري ومسلم.

ومما هو شائع عند أهل الجاهلية ضعف التوكل على الله، لذا توهَّموا أسبابًا ضارة فتشاءموا وتطيَّروا بها وتركوا مصالحهم لأجلها، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23] وقال: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].

قال ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين): التوكل نصف الدين. اهـ.

فجاءت الشريعة بذم التطيُّر، قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا عدوى ولا طيرة، ويُعجبني الفأل». رواه البخاري ومسلم.

فلا يصح لأحد أن يجعل السبب الوهمي سببًا حقيقيًا فيتطير منه، كالتطير بسماع صوت الغراب، أو رؤية أعور أو أعرج، أو سماع بعض الأسماء، وهكذا. فإن هذه أسبابٌ وهمية، ومن تطيَّر منها وقع في الشرك.

عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» ثلاثًا. رواه الترمذي.

وهذا بخلاف الفأل، بأن يكون الرجل مثلًا عازمًا على إجراء عملية جراحية وقبل إجرائها سمع رجلًا اسمه سالم، فيتفاءل بهذا الاسم بأن يُشفى وأن يسلَم، فمثل هذا محبوب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الفأل، وفرقٌ بين هذا وبين التطير فإن الفأل حُسن ظن بالله بخلاف التطير فإنه سوء ظن بالله.

اللهم احفظ لنا توحيدنا وجنبنا ما يُسخطك وقوِّ توكلنا عليك وإنابتنا إليك.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن مما كان يتطير به أهلُ الجاهلية شهرَكم هذا شهر صفر، وقد أبطل هذا الإسلام؛ لأن شهر صفر ليس سببًا حقيقيًا لحصول أضرار أو مصائب، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا عدوى ولا صفرة ولا هامة» متفق عليه

قال البغوي -رحمه الله تعالى-: “وقيل إن أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر، فأبطل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك”. اهـ.

ومن آثار هذا التشاؤم الجاهلي أن بعض الناس يقول: صفر الخير. وهذا خطأ، فلا يُقال صفر الخير ولا الشر، وإنما هو كبقية الشهور.

اللهم يا من لا إله إلا أنت قوِّ إيماننا وتوكلنا وتوحيدنا ولا تكلنا إلى أنفسنا يا رب العالمين، اللهم احفظ لنا توحيدنا الذي به نجاتنا، وزدنا توحيدًا وتقى ورضا لك يا أرحم الراحمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأهلك الكفرة يا أرحم الراحمين، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما فيه رضاك واجعلهم رحمة على المسلمين ووفق جميع حكام المسلمين لذلك.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

 

د. عبدالعزيز بن ريس الريس

المشرف على موقع الإسلام العتيق

http://islamancient.com