ذكر العلماء أنَّ حكم النذرِ الكراهة، ومع ذلك هو عبادة، أليس هذا مُناقضًا لتعريف العبادة؟

د. عبدالعزيز بن ريس الريس

يقول السائل: ذكر العلماء أنَّ حكم النذرِ الكراهة، ومع ذلك هو عبادة، أليس هذا مُناقضًا لتعريف العبادة؟

الجواب:
إنَّ أكثر العلماء لم يذكروا أنَّ النذر مكروه، وإنما ذكره قلَّة من أهل العلم، وإلا أكثر العلماء يُقسمون النذر إلى قسمين:
القسم الأول: النذر المطلق، وهذا عبادة ومحبوب إلى الله، كأن يقول القائل: لله عليَّ أن أصوم … لله عليَّ أن أتصدق، وهكذا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270] أي مُجازي عليه.

القسم الثاني: النذر المُقيَّد، ويُعبِّر عنه بعض أهل العلم بقوله: نذر المجازاة، كأن يقول القائل: إن ردَّ الله غائبي صمتُ عشرة أيام… أو إن شفى الله مريضي تصدَّقتُ، وهذا نذرُ مجازاة، وهذا وردَ النهي عنه كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن النذر، وفي بعض ألفاظه: «لا يُقدِّم ولا يُؤخر»، وقال: «إنما يُستخرج به من البخيل».

فإذَن النهيُ يرجعُ إلى وصفِ النذر لا إلى أصله، وإلا فإنَّ أصل النذر عبادة وهو محبوب إلى الله، وهذا كالدعاء، فإنَّ الدعاء عبادة، فإذا كان الدعاء دعاء اعتداءٍ -أي اتَّصف بأنه دعاء فيه اعتداء- فأصله عبادة وإنما كُرِهَ للوصف التي اتَّصفَ به وهو الاعتداء، وهذا لا يتنافى مع كون الدعاء في أصله عبادةً ومحبوبًا إلى الله عز وجل.

فخلاصة ما تقدم: أنَّ العبادات هي الأعمال التي يُحبها الله، وهي ما بين فعل مستحبٍّ أو واجبٍ، فما وُصفَ بأنه مكروه أو محرم ورجعت الكراهة أو التحريم إلى وصفه لا إلى أصله فلا يتنافى مع كون أصله عبادة، كالدعاء، فإنَّ الدعاء عبادة، فإذا احتفَّ به الاعتداء صار مكروهًا، ويكون يكون محرمًا بحسب نوع الاعتداء، وهذا لا يتنافى مع أنَّ أصل الدعاء عبادة، ومثل ذلك النذر، فالنذر في أصله عبادة وإذا احتفَّ به أن يكون على وجه المجازاة فإنه يكون مكروهًا في وصفه لا في أصله، فبهذا لا يتنافى مع كون النذر عبادةً محبوبةً إلى الله من حيث أصله.

وإنما التناقض هو من يقول بأنَّ النذر كله مكروه، سواء كان مجازاة أو غير مجازاة، هذا فيه تناقض، وهذا خطأ، ولازم هذا القول ألَّا يكون النذر عبادة، ويترتَّب على هذا أنه لو صُرف لغير الله لم يكن شركًا، لذا من قال من أهل العلم المتأخرين بأنَّ النذر ما بين الكراهة أو التحريم فقولهم خطأ قطعًا ولم أره في كلام من سبق من العلماء، وهذا يتناقض مع تعريف العبادة، لأنَّ العبادة فعلًا لا تخرج عن كونها واجبةً أو مستحبة، وإنما التفصيل في النذر كالتفصيل في الدعاء وفي غيره من العبادات، أنَّ هناك فرقًا بين أصل العبادة وبين وصفها.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.


شارك المحتوى: