خلل في التعامل مع أهل البدع والأهواء


خلل في التعامل مع أهل البدع والأهواء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد

أجزم أن هناك خللا فكريا واضحا في المنظومة الدعوية عند بعض العلماء فضلا عن طلبة العلم، لذلك فإن ّهذه اللقاءات الوديّة والصور المنتشرة والدعوات المتبادلة والتقدير العميق والمحبة الظاهرة بين بعض المنتسبين للسنّة ورؤوس أهل البدع، تعتبر نتاجا واضحا وتمثّلا صريحا لذلك الخلل المزمن والداء المتفشي.

هذا الخلل قديم، وأحسب أنّ السبب في إزالة القلاع الحصينة وتحطيم الأسوار العازلة بين بعض المنتسبين للسنّة ودعاة أهل البدع يرجع في مجمله إلى أمرين اثنين:

الأول: ظهور الموجات الشيوعية والقومية والتوجهات اليسارية في القرن الماضي، والتي تمددت وتغوّلت في كل ناحية من أنحاء فضاء الأمة الفكري حتى بلغت بها المجاهرة والصدع بالمحاربة إلى التصريح بحرب الدين، وشنّ الغارات المتتابعة والحملات الجائرة على دعاته وحملته.

فصارت الدعوة إلى الإلحاد والعلمنة والاستهزاء بالدين والمجاهرة بمعاداته سائدة ورائجة في ذلك الوقت عند كتاب ومفكرين وحملة أقلام في تآليفهم ورواياتهم ومقالاتهم، مع جهل عامة الناس بحقيقة الدين، وتفرّق الدعاة إلى الله، ووهنهم وقلّة حيلتهم.

ونتيجة للقصف والعدوان المتواصل من حملة هذه الأفكار على الشعائر الدينية والقيم الإسلامية، تناسى كثير من الدعاة إلى الإسلام- إلا من عصم الله- الفروق الواضحة والمعالم البيّنة بين أهل السنّة والمبتدعة، فذابت العناية بأهمية القضايا العقدية لأجل الالتقاء مع الدعاة إلى الإسلام حول المسائل التعبدية والسلوكيّة الظاهرة.

الثاني: ظهور الدعوات الحزبية السياسية الدينية التي دعت إلى الإسلام ورغّبت الناس في التزامه، فاعتمدت سياسة تجميع الجماهير وحشد الشعوب دون نظر ولا اعتبار لاختلافاتهم العقدية، ليسهل سوقهم خلف الرموز الدعوية لتحقيق الفوز بالأغلبية في الانتخابات والسيطرة على المقاعد في البرلمانات، فصار اعتماد هذه الدعوات على شعارات فضفاضة عامة تدعو إلى الإسلام دون وضوح في رؤيتها، ولا عناية بصحّة مسلكها.

فأصبح الداعي إلى الله يفرح إذا وجد داع إلى الله مثله، وإن نأت بهم الديار وتباعدت بينهم المسافات، فيطمئن إذا لقي من يدعو إلى الاحتكام إلى الشريعة الغراء وتعظيمها ووجوب احترامها، ويأمر بالاستقامة على الإسلام ويدعو الناس إلى المحافظة على السلوك الإسلامي السليم والأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة التي جاءت بها الشريعة.

فيتّفق معه في أمر الناس بالمحافظة على الصلوات الخمس وصوم رمضان وإيتاء الزكاة وحج البيت الحرام عند الاستطاعة، وفي تبيان الآثار الطيبة والثمرات النافعة للقيام بالفرائض الدينية ونهيهم وزجرهم عن الوقوع في مخالفة أوامر الله سواء بالوقوع في الربا أو مقارفة الزنا او شرب الخمور وغير ذلك من المعاصي والمنكرات التي يجمع على تحريمها والنهي عنها أهل القبلة، مهما اختلفت مشاربهم، وتعددت مذاهبهم.

والأمر بالقيام بالفرائض ووجوب المحافظة عليها، والنّهي عن غشيان الفواحش والمنكرات، أمر مجمع على أهميته وتعظيمة وجليل مطلبه، لكن على أن لا يكون الإغضاء عن تعظيم العقيدة والتهوين من أهمية مطلبها، طريقا موصلا إليه.

هنا بدأ تعظيم أمر المخالفات السلوكية والتغليط في شأنها وهي مهمة ولا ريب في ذلك، لكن الذي حصل هو رفعها فوق منزلتها، ووضعها في غير موضعها، وتهميش أمر العقيدة والتوحيد وطمس الأصول الداعية إلى لزوم السنّة والاعتصام بها وعدم الالتفات إلى جليل أمرها وعظيم قدرها، حتى أن بعض الدعاة إلى الله رغم اتّساع علمه وجودة ذهنه، وحدّة ذكائه وكثرة كلامه وتدخّله في كل شأن، وتحدثه في كل مسألة، لا يُعرف له شرح واحد في العقيدة !

حتى صارت الدعوة إلى لزوم السنّة والاعتصام بها والأمر بهجر أهل البدع ومفارقة أهل الأهواء واعتزالهم مسائل منبوذة مهجورة عند كثير ممن ينتسب للعلم ناهيك عن عامة الناس، لذلك وجدنا بعض من يزعم أنه من الدعاة إلى السنّة فضلا عن غيرهم لا يُعرف له خصومة مع أحد من أهل البدع ولا ردٌ على أحد منهم، رعاية للمقاصد المعتبرة وحفاظا على المصالح الشرعية كما يدّعي !

وقد سمعت بعضا ممن يتزيا بزي العلماء ويلبس لبوسهم إذا سأله سائل عن أهمية الرد على أهل البدع وتبيين أخطائهم، أخذ في سرد الأدلة الدالة على تحريم الغيبة والتشديد في أمرها والتغليظ على المتساهلين بشأنها، وأن الكلام في الرجال ونقد المقالات الحادثة حال مزعجة وظاهرة محرجة تجب معالجتها، وكأنه لا يعلم شيئا عن طريقة أهل السنّة وأئمة الجرح والتعديل في حفظ الدين والذب عنه والقيام بنصرته، وهذا منهم ولاشك خلطٌ للمسائل وبعثرة للأوراق وتشتيت للمواضيع، يُراد منه تسفيه أهل السنّة والأثر وتنقصهم وتشويه سمعتهم، لكونهم يتعقبون أهل الأهواء ويكشفون ضلالهم.

يجب أن يكون لدعاة السنّة موقف حازم وواضح بين من أهل البدع والذين يتبنّونها، ويدعون إليها، ويحطّون من قدر أهل السنّة ويتهجّمون عليهم في كل مكان، وينبزونهم بالحشو والتجسيم أو يخلطون قول أهل السنة والتوحيد بمقالات الخوارج وغلاة التكفير.

يجب البيان والإيضاح وعدم السّكوت والمواربة، مهما كان الثمن باهظا ومكلفا، والطريق شاقا وعسيرا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى( 232:28) ): ( إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين ، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب ، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا ، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء)

ويجب التحذير من البدع وأهلها لأن إفسادهم للقلوب عظيم، ودعاتها قادرون بمكرهم وتلبيسهم على اختراق العقول، وتغيير القناعات، لعلمهم بالجدل وحرصهم على حرف أهل السنة عن دعوة الحق.

لذا كان علماء السلف رحمهم الله يعرفون خطر أصحاب الأهواء ولا يتهاونون في شيء من أمرهم، ولا يصيخون أسماعهم لهم، وقد صدرت عن أولئك الأئمة كلمات عظيمة في تشنيع أمر البدع وتقبيحها والحط على دعاتها، كقول يونس بن عبيد رحمه الله لولده: أنهى عن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ولئن تلقى الله عز وجل بهذا أحب من أن تلقاه برأي عمرو بن عبيد وأصحاب عمرو ، يعني القدرية.

قال سعيد بن عامر : ما رأينا رجلا قط كان أفضل منه ، يعني يونس.

وعن أبي الجوزاء رحمه الله قال: والذي نفسي بيده لئن تمتلئ داري قردة وخنازير أحبّ إلي من أن يجاورني أحد من أهل الأهواء.

وقال الفضيل رحمه الله: أحب أن يكون بيني وبين المبتدع حصن من حديد.

وقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن سنان رحمه الله يقول: لئن يجاورني صاحب طنبور، أحبّ إلي من أن يجاورني صاحب بدعة ، لأن صاحب الطنبور أنهاه، وأكسر الطنبور ، والمبتدع يفسد الناس، والجيران ، والأحداث. انظر الإبانة الكبرى( 467:2)

وليست هذه المقارنات الصادرة عن هؤلاء الأئمة بين مخالطة أهل البدع ومخالطة أصحاب الزنا والخمر والطنابير، استخفافا منهم بأمر المعاصي ولا استسهالا لمواقعتها أو تهوينا من شأنها، فهم رحمهم الله كانوا وقافين عند حدود الله، يجتنبون ما نهاهم الله عنه، ويعظّمون شأن المنكرات ويخافون وعيد الله وسخطه، ولا يتساهلون في الإنكار على مرتكبي الفواحش ومرتادي مواضعها، لكنهم أرادوا بتلك المقارنات لفت الأنظار وتوجيه الأفكار إلى شناعة مخالطة أهل البدع ومجالستهم والأنس بهم على دين المرء، لأن في الخلطة بأصحاب الشبهات ودعاة التشكيك في السنّة، خطر على قلب العبد وتضييع لدينه، فلزم على السنيّ منافرتهم والحذر منهم حفظا لدينه وصيانة لمعتقدة من أن يداخله شيء من دخن الأهواء.

كتبه محمد بن علي حسن الجوني