خطورة الكهانة والعرافين،وخدش الذنوب للتوحيد


الخطبة الأولى:

الحمدُ للهِ الذِي أنعمَ علينَا بنعمةِ التوحيدِ، وأكَّدهَا بنعمةِ التوكُّلِ وإبطالِ التنديدِ، والصلاةُ والسلامُ علَى رسولِ اللهِ سيدِ المتوكلينَ وإمامِ الغرِّ المحجلينَ ﷺ.

وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدهُ لَا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أمَّا بعدُ:

فإنَّ حفظَ جنابِ التوحيدِ أهمُّ المهماتِ، فإنَّ التوحيدَ أعظمُ الأوامرِ الشرعيةِ وأحبُّ الأعمالِ إلَى اللهِ المرضيةِ، ومنْ أجلهِ خلقَ الخليقةَ وأرسلَ الرسلَ، وأولُ أمرٍ فِي القرآنِ أمرٌ بهِ، قَال تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] أيْ وحدُوا ربَّكم، وأولُ نهيٌ فِي القرآنِ نهيٌ عنْ ضدهِ وهوَ الشركُ، قَالَ تعالَى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22].

والذنبُ الوحيدُ الذي لَا يغفرُه اللهُ الشركُ الأكبرُ، قالَ تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] وقالَ لمحمدٍ ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65] وَلا دخولَ للجنانِ والنجاةِ منَ النيرانِ إلَّا بالتوحيدِ وتركِ الشركِ، قالَ تعالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

وممَّا هوَ مخالفٌ للتوحيدِ: السحرُ، والكهانةُ، والعرافةُ، قالَ سبحانهُ مُبيِّنًا كفرَ الساحرِ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 103] فكلُّ السحرِ كفرٌ سواءٌ كانَ لصرفِ المرأةِ عنْ زوجهَا أو لتحبيبِ المرأةِ لزوجهَا، أوْ مَا يفعلُ بعضُ ضعفاءِ الدينِ منَ الإضرارِ بالآخرينَ بسحرهمْ انتقامًا منهمْ أوْ غيرَ ذلكَ.

واعلمُوا أنَّ إتيانَ الكهانِ والعرافينَ كفرٌ فِي الدينِ، روَى الإمامُ أحمدُ عنْ أبِي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ- أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «منْ أتَى كاهنًا أوْ عرَّافًا فصدقهُ بمَا يقولُ فقدْ كفرَ بمَا أنزلَ علَى محمدٍ ﷺ»، وثبتَ عندَ أبِي يعلَى عنِ ابنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- أنهُ قالَ: «منْ أتَى كاهنًا أوْ عرَّافًا فصدقهُ بمَا يقولُ فقدْ كفرَ بمَا أنزلَ علَى محمدٍ ﷺ».

فاحذرْ إتيانَ السحرةِ والكهانِ والعرافينَ، وممَّا يدخلُ فِي ذلكَ متابعتُهم فِي القنواتِ الفضائيةِ أوْ مواقعِ الانترنتِ، أوْ الاتصالِ عليهمْ، أو تصديقِ الأبراجِ كبرجِ الثورِ أو الحوتِ أو غيرِ ذلكَ، فإنَّ الأمرَ خطيرٌ غايةَ الخطورةِ وجدٌّ ليسَ بالهزلِ، فمَا أكثرَ المتورطينَ بمثلِ هذَا ومتابعةُ الأبراجِ أوْ متابعةِ الكهانِ والعرافينَ أوْ ما يسمَّى بأصحابِ الأحجارِ الكريمةِ أو الطاقةِ فِي القنواتِ الفضائيةِ ومواقعِ الانترنتِ.

أيُّها المسلمونَ، تعاهدُوا أزواجَكم وأولادَكم ذكورًا وإناثًا، وربوهُم علَى التوحيدِ وحذِّروهم منَ السحرِ والكهانةِ والعرافةِ بجميعِ صورهَا.

أيُّها المسلمونَ، تناصحُوا وتناقلُوا بينكُم فِي وسائلِ التواصلِ وغيرهَا حرمةَ السحرِ والكهانةِ والعرافينَ وأصحابِ الأحجارِ الكريمةِ والطاقةِ، وبيِّنوا للناسِ أنهَا كفرٌ مُخالفٌ للتوحيدِ الذِي هوَ حقُّ اللهِ علَى العبيدِ.

اللهمَّ احفظْ لنَا توحيدَنا، ونعوذُ بكَ منَ الشركِ والكفرِ كلِّه.

أقولُ مَا قلتُ، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكمْ فاستغفروهُ، إنهُ هوَ الغفورُ الرحيمُ.

 

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ غافرِ الذنبِ وقابلِ التوبِ، شديدِ العقابِ ذِي الطولِ لَا إلهَ إلَّا هوَ إليهِ المصيرُ، أمَّا بعدُ:

فإنَّ ممَّا يقدحُ فِي التوحيدِ ويُنقصُ ثوابَه ويخدشُ جمالَه: الذنوبَ والمعاصيَ الشهوانيةَ، باختلافِ صورهَا وأنواعهَا، كالاختلاطِ بينَ الرجالِ والنساءِ الاختلاطِ المحرمِ، فإنهُ كالنارِ معَ الحطبِ، وهوَ سببٌ لكلِّ بلاءٍ ومصيبةٍ، وحضورِ حفلاتِ الغناءِ وغيرِ ذلكَ منَ الأماكنِ المختلطةِ الاختلاطَ المحرمَ.

وإنَّ الاستماعَ إلَى الغناءِ المصحوبِ بالمعازفِ محرَّمٌ فِي الشريعةِ، روَى البخاريُّ عنْ أبِي عامرٍ الأشعريِّ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ليكوننَّ منْ أمتِي أقوامٌ، يستحلونَ الحرَّ والحريرَ، والخمرَ والمعازفَ».

وَإنَّ الغناءَ يُنبتُ النفاقِ فِي القلبِ كمَا يُنبتُ الماءُ البقلَ، قالَه ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، فتعاهدُوا أنفسَكم وأهليكُمْ، فإنَّ الأبَ راعٍ مسؤولٌ عنْ رعيتِه، قالَ تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].

فكلمَا ضعفَتْ نفسُك وأرادتْ أنْ تُسايرَ الآخرينَ فِي حضورِ الاجتماعاتِ المختلطةِ الاختلاطَ المحرمَ أوْ الحفلاتِ الغنائيةِ أوْ سماعِ الغناءِ أوْ غيرِ ذلكَ منَ المحرماتِ، تذكرِ الموتَ فهوَ خيرُ واعظٍ وزاجرٍ.

يا أمةَ اللهِ اتقِي اللهَ فِي حجابِك وسترِك، فَإنَّ التبرجَ محرمٌ وسببٌ لسخطِ اللهِ، قالَ تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59] وروى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال:  «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ».

وروَى البخاريُّ ومسلمٌ عنْ أسامةَ بنِ زيدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ:  «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ».

فاتقُوا اللهَ واعلمُوا أنكمْ مسؤولونَ، وغدًا بينَ يديِ اللهِ موقوفونَ، فمَا أسرعَ ذلكَ، أيُّها الرجالُ القوامونَ علَى النساءِ، اتقُوا اللهَ فيمنْ تحتَ أيديكُمْ وقومُوا بواجبِ القوامةِ، وكنْ ذَا غيرةٍ ودينٍ، قالَ تعالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].

اللهمَّ إنَّا نعوذُ بكَ ممَّا يُسخطكَ، ونسألُك المسابقةَ والمسارعةَ فِي مراضيكَ، ونسألُك الثباتَ علَى التوحيدِ والسنةِ حتَّى نلقاكَ راضيًا عنَّا، اللهمَّ وفقْ ملكَنَا ووليَ عهدِهِ أنْ يُعزُّوا دينَك وأنْ يُعلُوا كلمتَك، وأنْ يكونُوا رحمةً علَى المسلمينَ.

وقومُوا إلَى صلاتِكم يرحمْكم اللهُ.

نسخة للطباعة
تنزيل الكتاب
نسخة للجوال
تنزيل الكتاب

شارك المحتوى: