خطورة التدخين وضرره على الفرد والمجتمع


 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أنعم على عباده بما أخرج لهم من الطيبات، وأدره عليهم من أصناف الأرزاق والأقوات، وأحل لهم من ذلك ما تقوم به أديانهم وأبدانهم، وحرم عليهم ما يكون به ضررٌ في أبدانهم وعقولهم وأديانهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.

أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واستغنوا بما أباح لكم من الطعام والشراب عما حرمه عليكم، فإنه ما من شيء ينفعكم من ذلك إلا أباحه لكم فضلًا منه وإحسانًا، وما من شيء يضركم إلا حرمه عليكم رحمةً منه وامتنانًا.

قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ). قال السعدي – رحمه الله -: (يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} من الأطعمة؟ {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} وهي كل ما فيه نفع أو لذة، من غير ضرر بالبدن ولا بالعقل… ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ‌وَيُحَرِّمُ ‌عَلَيْهِمُ ‌الْخَبَائِثَ}).

وقال تعالى في وصف نبيه – صلى الله عليه وسلم – : (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).

فكما أنّ لله النعمة عليكم فيما أباحه لكم من الطيبات فله النعمة عليكم أيضًا بما حرمه من الخبائث والمضرات، فعلى العباد أن يشكروا نعمته في الحالتين فيتناولوا ما أباحه لهم فرحين مغتبطين، ويتجنبوا ما حرمه عليهم سامعين مطيعين.

وقال – صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) صححه الألباني بمجموع طرقه. وهذا الحديث – أيها المؤمنون – حديثٌ عظيمٌ عليه مدار الإسلام؛ إذ يحتوي على تحريم سائر أنواع الضرر، ما قلّ منها وما كثر، بلفظٍ بليغٍ وجيز.

معاشر المؤمنين: وإنّ من صور الضرر والخبائث التي حرمها الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -: شرب الدخان.

قال الإمام عبد العزيز ابن باز – رحمه الله – كما في مجموع فتاويه: (شرب ‌الدخان من المحرمات؛ لكونه من الخبائث التي حرمها الله، ولأنه يشتمل على أضرار كثيرة، والدليل على تحريمه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} الآية، وقوله – عز وجل – في وصف نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم -: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}الآية، وقد فسر العلماء الطيبات بأنها الأطعمة والأشربة المغذية النافعة التي لا ضرر فيها، ومعلوم أنّ ‌الدخان ليس بهذا الوصف، بل هو من الخبائث الضارة المحرمة).

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني الله وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأعوانه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:

أيها المسلمون: لقد انتشر شرب الدخان في مجتمعنا حتى عم كثيرًا من الصغار في الأسواق والدور.  وهو الشراب الذي لا ينكر ما فيه من ضرر، بل قد اجتمع فيه جلّ أنواع الضرر في الدين والبدن والمال والمجتمع.

فأما مضاره الدينية، فإنّ المحققين من أهل العلم الذين عرفوا مصادر الشريعة ومواردها وسلموا من الهوى قد تبين لهم تحريمه من عمومات النصوص الشرعية وقواعد الدين المرعية، وإذا كان حرامًا كان فعله معصية لله ولرسوله، وكل معصية لله ولرسوله فإنها ضرر في الدين؛ فإنّ الإيمان ينقص بالمعصية كما يزيد بالطاعة. فيا لله العجب! كم من معصية يرتكبها المدخّن في يومه وليلته، فضلًا عن شهره وسنته؟!

وأما ضرره في البدن فإنه يضعف البدن ويضعف القلب ويحدث مرض السرطان وغيره، ويفضي إلى الموت، كما قرر ذلك المختصون، وشهد به الأمر الواقع، فكم من إنسان أنهك جسمه وأفسد صحته وقتل نفسه بما تعاطاه من هذا الدخان؟!

وأما ضرره في المال فلا يخفى، فما أكثر ما أنفق هؤلاء المبتلون على تعاطي هذا المحرم وشربه من أموال! ولو أنفقوه فيما يعود عليهم وعلى أهليهم بالنفع من الطعام الطيب والشراب الحلال واللباس المباح لكان ذلك خيرًا له في دينهم ودنياهم.

وسيُسأل هؤلاء، كما سيُسأل من ساهم في ترويج الدخان بالاتجار به وبيعه، فقد قال – صلى الله عليه وسلم -: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال) وذكر منها: (عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟) صححه الألباني.

قال سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – كما في مجموع فتاويه: (الدخان حرام، والدليل قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم) ، وقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، وقوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً)، وقد ثبت عن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنه نهى عن إضاعة المال، وثبت من الناحية الطبية أن الدخان ضار وربما أدى إلى الموت، فتناوله سبب لقتل شاربه لنفسه، وشاربه ملق بنفسه إلى التهلكة، وشاربه مفسد لماله حيث صرفه في غير ما جعله الله له، فإنّ الله جعله قياماً للناس، تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، والدخان ليس مما تقوم به مصالح الدين ولا الدنيا، فصرف المال فيه إضاعة له، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إضاعة المال).

وأما مضار الدخان الاجتماعية؛ فإنّ تفشي الأمور الضارة في المجتمع توجب فساد المجتمع، وإن كثيرًا ممن يشربونه الآن لا يبالون بانتشاره بين الناس بل ربما يفرح بعضهم بانتشاره وكثرة استعماله وتعاطيه؛ ليتسلى بغيره وتهون مصيبته.

وربما جنى بعض المدخنين على أولاده وعلى الصغار جنايةً عظيمة، وذلك بشربه الدخان أمامهم، وهذا – لا شك – يهوّن شربه عند الصغار ويؤدي إلى نتيجة خطيرة: وهي أنّ الصغير إذا اعتاده في صغره فتك به فتكًا أعظم ثم لا يستطيع الخلاص منه عند كبره – والله المستعان -.

لذا فقد جاء في المادة الحادية عشرة من نظام حماية الطفل في المملكة العربية السعودية:

  • يحظر أن يباغ للطفل التبغ ومشتقاته وغيره من المواد التي تضر بسلامته، وكذلك يحظر أن يستخدم في شرائها أو أماكن إنتاجها أو بيعها أو الدعاية لها.
  • يحظر استيراد وبيع ألعاب الطفل أو الحلوى المصنعة على هيئة سجائر أو أي أداة من أدوات التدخين.
  • يحظر عرض المشاهد التي تشجع الطفل على التدخين، ويحظر كذلك التدخين أثناء وجوده.

وكلّ ما كان كالدخان أو أشد فهو مثله أو أخطر، كالشيشة والسجائر الالكترونية.

عصمنا الله وإياكم من ذلك، وهدى الله ضال المسلمين لما فيه الخير في المعاش والمعاد. اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

 

أعد الخطبة: بدر بن خضير الشمري. للملاحظات يرجى التواصل عبر الرقم: 0533646769


شارك المحتوى: