خطبة مجموعة عن يأجوج ومأجوج


خطبة مجموعة عن يأجوج ومأجوج

جمع وإعداد : فايز بن مساعد الحربي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحبٍ وآل، وسلم تسليماً كثيرا، أما بعد:

فيأيها المؤمنون اتقوا الله تعالى واستعدوا لليوم الآخر فقد أنذرتموه، فاستقبلوه بالأعمال الصالحة واخشوا من عقابه واحذروه، وقد قدم الله تعالى بين يدي هذا اليوم أشراطا وعلامات وذلك لعظم هوله وشدته، فإنه اليوم الذي يجازى فيه الخلائق { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }

ألا وإن من أشراط الساعة الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، خروج يأجوج ومأجوج قال تعالى{ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} وأما من السنة ففي الصحيحين من حديث زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ ( لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ ). وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِى تَلِيهَا. قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ ( نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ). فيجب على كل مسلم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة عن يأجوج ومأجوج وسدهم، وأن خروجهم من علامات الساعة الكبرى.

ثم اعلموا أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم عليه السلام، قال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية ( يأجوج ومأجوج من ذرية آدم عليه السلام بلا خلاف) ا.ه، وهم من ذرية نوح لأن الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله: { رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا }، وقال تعالى: { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ } ، وقال تعالى: { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ } ويؤيد ذلك مارواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم: ( يقول الله عز و جل يوم القيامة يا آدم يقول لبيك ربنا وسعديك فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار قال يارب وما بعث النار ؟ قال من كل ألف – أراه قال – تسعمائة وتسعة وتسعين فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) . فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم . فقال النبي صلى الله عليه و سلم ( من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد..) الحديث، بل قد قيل أنهم من ذرية يافث بن نوح.

وهم على هذه الأرض في الجانب الأقصى منها شرقا، كما أنهم من أهل الشر والفساد، والدليل على ذلك أمران: أمرٌ سابق، وأمرٌ منتظر. فأما الأمر السابق: فما حكاه الله سبحانه وتعالى عن ذي القرنين هذا الرجل الصالح الذي مكَّن الله له في الأرض وأتاه من أسباب الملك كل سبب يتوصل به إلى الانتصار وقهر أعدائه، فإنه لما مضى متجها نحو مطلع الشمس {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً} أي لم يكن لديهم مايحول بينهم وبين حر الشمس، ليس عندهم بناء ولا أشجار وإنما يعيشون في النهار في السراديب وفي الكهوف ثم في الليل يخرجون يلتمسون العيش و كان ذو القرنين في جميع أحواله عالماً بما أتاه الله من علم وهداية كما قال تعالى {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} ثم مضى {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} كانوا أعاجم لا تفهم لغتهم ولا يفهمون لغة غيرهم ولكنهم اشتكوا إلى هذا الملك الصالح إلى ذي القرنين بأن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فقالوا له هل نجعل لك {خرجاً} أي مالاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدا فأخبرهم بأن الله سبحانه وتعالى أعطاه من الملك والتمكين ما هو خير من المال الذي يعطونه إياه {قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} أي بقوة عملية من عمال وأدوات وما أشبه ذلك {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} ثم طلب منهم زبر الحديد أي قطع الحديد فصف بعضها على بعض حتى بلغت رؤوس الجبلين {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا} فأوقدوا عليه النار ونفخوها حتى صار الحديد ناراً يلتهب فأفرغ عليه قطراً أي نحاساً مذاباً حتى تماسكت هذه القطع من الحديد وصارت جداراً حديدياً صلباً {فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} أي يظهروا فوقه {وَمَا اسْطَاعُوا لَهُ نَقْباً} أي أن ينقبوه من أسفل فكان ردماً بينهم وبين يأجوج ومأجوج، فإذا جاء الوقت الذي قدر انهدام السد فيه؛ جعله الله مساويا للأرض؛ وعدا لا بد منه؛ فإذا انهدم؛ يخرجون على الناس ويموجون وينسلون- أي : يسرعون المشي- من كل حدب، ثم يكون النفخ في الصور قريبا من ذلك.

وأما الشر والفساد المنتظر ففي حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : ( إن الله تعالى يوحي إلى عيسى ابن مريم عليه السلام بعد قتله الدجال، إِنِّى قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِى لاَ يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِى إِلَى الطُّورِ. وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ. ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَقُولُونَ لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِى الأَرْضِ هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِى السَّمَاءِ. فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا، وَيُحْصَرُ نَبِىُّ اللَّهُ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِىُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهُمُ النَّغَفَ فِى رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِىُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ فَلاَ يَجِدُونَ فِى الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ فَيَرْغَبُ نَبِىُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لاَ يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ أَنْبِتِى ثَمَرَتَكِ وَرُدِّى بَرَكَتَكِ.

فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا وَيُبَارَكُ فِى الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِى الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِى الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِى الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ) صحيح مسلم، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: « ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج » اخرجه البخاري.

وأما ما يذكر من أن بعض قوم يأجوج ومأجوج طويلٌ طولاً مفرطاً، وأن بعضهم قصيرٌ قصراً مفرطاً، وأن بعضهم لديه آذانٌ يفترش إحدى الأذنين ويلتحف بالأخرى، وما أشبه ذلك: قال العلامة ابن عثيمين(فإن كل هذا لا صحة له، بل الصحيح الذي لا شك فيه أنهم كغيرهم من بني آدم، أجسادهم وما يحسون به وما يشعرون به، فهم بشر كسائر البشر، لكنهم أهل شرٍ وفساد) فتاوى نور على الدرب.

اللهم إننا آمنا بما جاءنا من علم الغيب، فأعذنا اللهم من الفتن، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

فاعلموا عباد الله أنه لا عبرة بمن أنكر وجود يأجوج ومأجوج ووجود السد الذي بناه ذو القرنين بينهم وبين الناس بحجة ظهور دول الكفر المتقدمة في الصناعة ، وأن هؤلاء استطاعوا أن يكتشفوا كل ما في الأرض ولم يتركوا منها شيئا إلا أتوا عليه ، ولكنهم لم يعثروا على يأجوج ومأجوج ، ولم يروا سد ذي القرنين ، ولا شك أن هذا قول فاسد ؛ لأنه تكذيب صريح لما جاء في كتاب الله عز وجل ، ولما أخبر به رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ، ومن كذب بشيء جاء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد كفر ، كما قال تعالى : { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ }

وكذلك من يؤول النصوص الثابتة بما لا تحتمله، فإنه ضال ويخشى عليه من الكفر .

وأما دعواهم أن الأرض اكتشفت كلها ولم يجدوا فيها يأجوج ومأجوج والسد ، فهي دعوى باطلة تدل على عجز البشر وقصورهم ؛ لأن معرفة جميع بقاع الأرض والإحاطة بما فيهما من المخلوقات لا يقدر عليه إلا الله عز وجل الذي أحاط بكل شيء علما ، ولا يلزم من عدم رؤيتهم عدم وجودهم ؛ لأنه قد يكون الله عز وجل صرفهم عن رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد ، أو جعل بينهم وبين الناس أشياء تمنع من الوصول إليهم كما حصل لبني إسرائيل حين ضرب الله عليهم التيه في فراسخ قليلة من الأرض ، فلم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه ، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ، جعل لكل شيء أجلا ووقتا ، قال تعالى : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ }{ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وما عجز الأوائل عن اكتشاف ما اكتشفه المتأخرون من كنوز الأرض التي ظهرت في الأزمنة المتأخرة، كالبترول وغيره إلا لأن الله عز وجل جعل لكل شيء أجلا ووقتا، وقد قال تعالى{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }

اللهم حبب إلينا الأيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علِمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين وللمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات،{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ} وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.