خطبة مجموعة عن أسباب النصر والمتعجلين في القتال


خطبة مجموعة عن أسباب النصر والمتعجلين في القتال

الحمد لله رب العالمين{مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، ففيها مخرج من كل كرب وهم، وفيها تيسير لكل عسير.

إن المتأمل في واقع المسلمين اليوم ، والمتأمل في الأحداث الجارية والوقائع الساخنة ، ليدرك تمام الإدراك ما تمر به الأمة من ضعف كان سببا في تسلط الأمم الكافرة وتداعيها على أمة الإسلام كما يتداعى الجياع إلى قصعتهم، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ». فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ « بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ». فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ « حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ». اخرجه أبو داوود وصححه الألباني.

ومما يؤسف له أن البعض يبتعد عن بيان وجود هذا الغثاء في أمة تربو على أكثر من مليار مسلم، فيتعجلون النصر وهم بعيدون كل البعد عن العلاج الصحيح الذي به يتحقق نصر الإسلام والمسلمين

عباد الله: إن أعداء الدين من اليهود والنصارى والرافضة والشيوعيين والخوارج وأمثالهم { لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً } فمتى ما وجدوا الفرصة فلن يرحموا أهل الإيمان بل سيسومونهم سوء العذاب.

ولسائل أن يقول: ما هو سبب تداعي أ‘داء الدين على هذه الأمة ؟!
فالجواب في قوله تعالى{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } لقد أصيب المسلمون يوم أحد وهم أفضل خلق الله في أرض الله ، فيهم نبيهم صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق ، وهم بعده وبعد الأنبياء أفضل الخلق ، وفيهم الصديق رضي الله عنه أفضل الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفيهم عمر أفضل الأمة بعد النبي وبعد الصديق ، وفيهم بقية الأخيار .
أصيب المسلمون بسبب الخلل الذي حصل من الرماة لما أخلوا بما أوجب الله عليهم من الصبر لأعداء الله ولزوم الثغر الذي يخشى منه فدخل العدو عليهم ، فاستنكر المسلمون هذا الأمر وهذا الحدث المؤلم من الجراح والقتل وقالوا لماذا أصبنا؟ ولماذا جرى هذا؟ وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيهم خيرة الله من عباده بعد الأنبياء فأنزل الله تعالى{ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا}قد أصبتم مثليها يعني يوم بدر قتلوا سبعين من الكفار وأسروا سبعين وحصلت جراحات في الكفار كثيرة {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} يعني استنكرتم من أين أصبنا كما قال تعالى{قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُم} وهذا يفيد أن معصية بعض الجيش وإخلال بعض الجيش بالأسباب مصيبة للجميع فأصيبوا بسبب بعضهم .

عباد الله: لقد جعل الله جل وعلا للنصر أسبابا وجعل للخذلان أسبابا، فالواجب على أهل الإيمان أن يأخذوا بأسباب النصر ويستمسكوا بها في كل مكان في المسجد وفي البيت وفي الطريق وفي لقاء الأعداء وفي جميع الأحوال ، فعلى المؤمنين أن يلتزموا بأمر الله ، وأن ينصحوا لله ولعباده ، وأن يحذروا المعاصي التي هي من أسباب الخذلان ، ومن المعاصي التفريط في أسباب النصر الأسباب الحسية التي جعلها الله أسبابا لابد منها ، كما أنه لابد من الأسباب الدينية ، فالتفريط في هذا أو هذا سبب الخذلان والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم وهو أصدق القائلين{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} ونصر الله من المؤمنين هو :اتباع شريعته ونصر دينه والقيام بحقه، ومن كان كذلك فليبشر بوعد الله الصادق في قوله {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) }

عباد الله:

قال تعالى{ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} فمن أراد النصر فليحارب الشرك الذي ضرب بأطنابه، ورُفِعت راياتُه في أكثرِ العالمِ الإسلامي فالقبور تُعبد من دونِ الله ويُنذر لها ويُطافُ بها! ويوجد من دعاتنا من لا ينكره! ومن أراد أن ينصره الله فلا يداهن الرافضة ويتعاون معهم، ومن أراد النصر فلا يقاتل لديمقراطية أو حزبية أو حمية أو لأجل الأرض، فإن المجاهد من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا، ومن أراد النصر فليحافظ على الصلوات الجُمَعِ والجماعات! والتوبة من المعاصي كبيرها وصغيرها من أسباب النصر فما بال البعض يستهين بها؟ هل يطلب النصر من الله من يكفر المسلمين ويستبيح دمائهم ويقتل الأنفس المعصومة باسم الجهاد المزعوم، ومن المؤلم أن من بيننا دعاة يبررون لهم ويدعمونهم؟ ومن أراد النصر فليصبر على قدر الله، ولا يخالف شرع الله بالعجلة والطيش، فقد وجد من يتعجل النصر دون مراعاة لأسبابه مع مخالفة لشرع الله فيه وقد قال الله تعالى{ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وقال تعالى لنبيه{ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } ومن كان كذلك فليبشر بوعد الله { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} فنصر الله جل وعلا باتباع شريعته والصبر على ذلك كما قال تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} والصبر لا يعني عدم العمل لنصرة دين الله بل عمل وجد واجتهاد في الإعداد الصحيح الذي دل عليه قول تعالى{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ }إعداد إيماني وهو الأهم ثم إعداد السلاح خاصة مع وجد الفوارق العظيمة بين أسلحة المسلمين وأسلحة الكفار المعتدين الظالمين أهلكهم الله، لكن المسلم يحزن عندما يرى المتعجلين لا يراعون شرع الله غير مبالين بالمصالح والمفاسد، يغفلون عن قصة حصار النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في شعب عامر حتى أكلوا أوراق الشجر، ويغفلون عن الصبر على تعذيب كفار قريش لعمار ابن ياسر وأمه وأبيه وبلال وغيرهم ممن عذبوا في مرحلة الضعف في مكة، أين المتعجلون عن قصة صلح الحديبية الذي كان المشركون يفرضون شروطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين هم عن غزوة الخندق عندما حاصر كفار قريش ومشركو العرب المدينة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حفاظا على أرواح المسلمين ولم يقابل تلك الجيوش لعدم القدرة عليها، كل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم ومعه صحابته خير القرون صابرون على قدر الله لا يخالفون شرع الله متوكلون عليه يعملون في نصرة دينه حتى أعز الله الدين بعز عزيز وذل ذليل، فكانت النتيجة فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا.

اللهم انصر كتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم ياقوي ياعزيز عليك بأعداء الدين من اليهود والنصارى والرافضة والخوارج والشيوعين اللهم أكفناهم بما تشاء.

أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين أما بعد:

فمن الأخطاء التي تقع أن ينسب البعض منا ما يقع في الأمة للحكام ولعموم المسلمين فقط، ناسيا دوره وواجبه وأنه أحد افراد هذه الأمة مطالب بالصلاح وترك المعاصي والالتزام بشرع الله، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} بل تجد الواحد منا مقصراً في أعظم وأيسر ما نستطيعه وهو الدعاء الذي هو سلاح المؤمن، فخصوا اخوانكم المسلمين بالدعاء متحرين أوقات الاستجابة، فقد اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء يوم بدر (فَمَازَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وَقَالَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ كَفاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ)صحيح مسلم

إيها المسلم: اعلم أن وعد الله بالتمكين لا يكون إلا بتحقيق عبادة الله وحده{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } ونصر الله لا يستحقه إلا من اتصف بصفات خمس{ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } قال العلامة ابن سعدي( وبها يُعرف أن من ادعى أنه ينصر الله وينصر دينه، ولم يتصف بهذا الوصف، فهو كاذب) ا.هـ كلامه رحمه الله.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، اللهم من جاهد جهادا شرعيا لتكون كلمتك هي العليا فأيده وانصره، اللهمّ أبرم لهذه الأمّة أمر رشد يُعزّ فيه أهل الطاعة، ويُذلّ فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر.
اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وأصلح بطانته يارب العالمين

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}