خطبة عن تنفيذ حدود الله في المجرمين، وأثره في تحقيق الأمن


خطبة عن تنفيذ حدود الله في المجرمين، وأثره في تحقيق الأمن

((أخي وفقك الله هذه خطبة مجموعة ومهذبة من:

– مراجعة تفسير بن كثير رحمه الله

– مراجعة تفسير بن سعدي رحمه الله

– نقل من خطبة للعلامة محمد بن عثيمين رحمه الله

– نقل من خطبة للعلامة د .صالح الفوزان حفظه الله

– نقل من خطبة للعلامة د. عبدالسلام بن برجس ال عبدالكريم رحمه الله.

والله الموفق))

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له{ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله {بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} صلى الله عليه وعلى آله وأًصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا، أما بعد::

فاتقوا الله تعالى ، واشكروه سبحانه على نعمة الهداية للإسلام الذي أتمه الله وأكمله، فجمع بين الرحمة والحكمة { مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }، رحمة في إصلاح الخلق ، وحكمة في الأخذ بالطريق الموصل إلى الإصلاح، ومن حكمة الله سبحانه أن جعل أفعال العباد بين الخير والشر { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } ، فتفاوتت طبائع البشر فمنهم من ينزع إلى الخير والحق ، ومنهم من ينزع إلى الشر والباطل، وقد بين سبحانه أنه بعدله وحكمته ، لا يساوي في حُكمه يوم القيامة بين مَنْ كان مُؤمنًا بآياته متبعًا لرسله، بمن كان خارجا عن طاعة ربه مكذِّبًا لرُسُله { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} وقال سبحانه{ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ }

ولحكمته سبحانه جاءت النصوص الكثيرة بالتحذير من الباطل والشر ، والترغيب في الحق والخير ، وبيان ما يترتب على الباطل والشر من مفاسد في الدنيا وعقوبة في الآخرة ، وما يترتب على الحق والخير من مصالح في الدنيا ونعيم في الآخرة ، ولكن لما كان هذا الوازع لا يكفي في إصلاح بعض النفوس الشريرة ، الموغلة في الباطل والشر ، وكبح جماحها ، والتخفيف من حدتها ، فرض رب العالمين برحمته وحكمته عقوبات دنيوية ، وحدودا متنوعة ، بحسب الجرائم لتردع المعتدي، وتصلح الفاسد، وتقيم المعوج، وتظهر الملة، وتستقيم الأمة، فهي من مظاهر رحمة الله تَعَالَى ولطفه بعباده ، أخرج ابن ماجة في سننه وابن حِبَّان في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم ((حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا)) ، إذ هي عامل من أكبر العوامل للحفاظ على الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والعِرض والمال ، والتي متى ما حفظت استقر المجتمع، وأمِنَ واطمأن ، وهذا المقصد مطلب لجميع البشر ، يسعون إلى الظفر به وتحصيله مهما كلفهم من ثمن ، وهذا يتحقق في تنفيذ القصاص والحدود والتعزيرات التي شرعها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

عباد الله: في صحيح مسلم عن عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ قال : قال صلى الله عليه وسلم (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا ) ، والمحدث هو الذي أحدث بالإسلام حدثا يستوجب اقامة الحد عليه ، كالمرتد الذي يجب قتله بالردة ، أو أنه وجب عليه حد زنا ، أو حد قصاص ، أو حد سرقة ، أو حد قطاع طريق، فيجب اقامة الحد على أصحاب هذه الجرائم ولا يجوز لأحد كائنا من كان أن يعترض على إقامة الحدود، أو يمنع إقامتها على المجرم ، سواء أكان ذلك بالقول أو بالتنديد مما يفعله أهل النفاق ويفعله أهل الشكوك والأوهام ، والأحزاب والأهواء ، بل يجب الفرح بإقامة الحدود لأنها تطهير للأرض ، وهي رحمة من الله، فالله جل وعلا قال: { وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فبإقامة الحدود تحصل مصلحة المجتمع ، وحفظ الضرورات الخمس، وفيها يستتب الأمن في البلاد حضرا وسفرا ، فكيف يتلاوم بعض الناس على إقامة الحدود ويستعظمونها بدعوى أنها تنافي الحرية ، أو تنافي الديمقراطية، أو أنها تشوه الإسلام أو ما أشبه ذلك ، فعلى المسلم أن يرضى بشرع الله ولا يعترض عليه، ولا يترحم ولا يشفق على من وجبت عليه الحدود ، حتى لا يقع في إعانة المجرمين والرضى بما يصنعون ، إذا كان من يقيمها هو ولي أمر المسلمين في بلد ثبتت له الولاية فيه ، وحكم فيها بشرع الله ، لا مجرد عصابات وجماعات واحزاب تنصب نفسها حاكما ثم تزعم أنها تنفذ الحدود وهي تخالف كتاب الله وسنة رسوله في أصلها ونشأتها فضلا عن تطبيقاتها.

ولقد قدم أناس مِنْ عُرَيْنَةَ إلى المدينة يريدون أن يتعلموا من الرسول صلى الله عليه وسلم أقاموا عنده فأصابتهم الحمى فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها لأن فيها علاجا للحمى، فلما شربوا من ألبانها وأبوالها وشفاهم الله طمعوا في الإبل فمثلوا في الراعي وسملوا عينيه وتركوه حياً يأن ويصرخ حتى مات وأخذوا الإبل، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم فجيء بهم بعد ارتفاع النهار فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم وتركوا في الحرة يصيحون ويستغيثون ويطلبون الماء ولا يسقون حتى ماتوا وأنزل الله جل وعلا: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }، فلم يعطف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه بالمؤمنين رؤوف رحيم لم يرأف بهم ولم يرحمهم ويترك حدا من حدود الله من أجل رحمته بهم بل أقام الحد عليهم ولم يسقهم حتى ماتوا كما فعلوا بالراعي (جَزَاءً وِفَاقاً)، هذا هو العدل في الإسلام.

عباد الله: لقد شرع الله تَعَالَى حد الردة حماية لحرمة الدين ، وشرع القصاص في النفس والأطراف حمايةً لحرمة النفس، وشرع حد الخمر حماية لحرمة العقل، وشرع تعالى حد الزنا وحد القذف حماية لحرمة الأعراض، وشرع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حد السرقة حماية لحرمة المال، وجاء حدُّ الحِرابة أغلظ الحدود؛ لأن الحرابة بها كل حرمات المجتمع ، فإذا طبقت هذه الحدود عَمَّ النفع الأفرادَ والجماعات والدول .

ولما منَ الله على عباده باجتماع كلمتهم فقال { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا }، جاء النص النبوي مبينا الحكم الشرعي الذي يقام على من يريد شق الصف وتفريق الكلمة، روى مسلم في صحيحه عن عَرْفَجَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ ” مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ “

والمسلم الصادق حينما يسمع بيانات إقامة حدود الله تَعَالَى في هذه البلاد ليفرح فرحًا عظيمًا؛ استجابة لقول الله تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]؛ فإقامة الحدود فضل من الله عظيم، كما أنه رحمة من الله كبيرة، لا يَقْدِرُ قَدْرَها إلا العاقلون العالمون.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعنا بما فيهما من الذكر والحكمة، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين ، إنه هو الغفور الرحيم.

ا

لخطبة الثانية:

الحمد لله وحده ،والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد:

فلقد علم القاصي والداني والمحب والمبغض أن هذه البلاد بحمد الله تَعَالَى آمنة مطمئنة؛ طرقها ومدنها وقراها ، الأمن بحمد الله عَمَّ الحاضر والباد، ، أما الجريمة فهي على قلّتها قد ضيّق عليها الخناق، ووقف لها بالمرصاد، فقل لي بربك: ما الذي خَصَّنا بهذه النعمة دون أكثر العباد؟ إنه توحيد الله تَعَالَى، والطهارة من الشرك بالله ، قال تَعَالَى {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}

ومن آثار ذلك التوحيد تطبيق حدود الله تَعَالَى، وإقامةُ شرعه بين الناس؛ فالقاتل يُقتل، والسارق تقطع يده، والزاني يجلد أو يرجم، وشارب الخمر يجلد، فالحمد لله على هذه النعمة التي وفق الله لها دولة التوحيد السعودية من بين سائر الدول في هذه الأزمان، نسأله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يزيدها عزة وقوة، وأن يجنبها كل شر ومكروه ، وأن يوفق ولاة أمرها لكل خير وصلاح .

والمسلم المتبع للسنة ، السالم مِن الهوى والتحزب، يحفظ لولاة أمر السعودية هذا الفضل، ويشكر لهم هذا الخير؛ فيدعو لهم بالتوفيق والتسديد، ويتحرَّى بذلك أوقات الإجابة ، قال الفضيل بن عياض ويروى مثله عن الإمام أحمد (لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد)

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا وأصلح ووفق ولاة أمرنا اللهم ارزقهم بطانة صالحة ناصحة وابعد عنهم بطانة الشر والسوء ياحي ياقيوم ، اللهم وفق إخواننا العساكر ورجال الأمن المرابطين لكل خير اللهم احفظهم وسدد رميهم واشف مرضاهم وارحم موتاهم يارب العالمين، اللهم من أرادنا بشر وفتنة فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره وسلط عليه ياقوي ياعزيز ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين