حادثة القديح ومحاولة تمزيق وحدة المجتمع


حادثة القديح ومحاولة تمزيق وحدة المجتمع

بقلم / د . خالد قاسم الردادي

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

وبعد:

تابعنا ببالغ الأسف والألم التفجير الإرهابي الذي وقع، يوم الجمعة الموافق 3/8/1436هـ، في أحد مساجد القديح بمحافظة القطيف؛ ونتج عنه قتل وإصابة العديد من المصلين.

ولا ريب أن هذا الحادث أثيم، ومنكر عظيم، يترتب عليه فساد عظيم، وشرور كثيرة، وظلم كبير، ومثله إنما يقوم به من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لا تجد من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا صحيحا يعمل هذا العمل الإجرامي الخبيث الذي حصل به الضرر العظيم، والفساد الكبير، إنما يفعل هذا الحادث وأشباهه نفوس خبيثة، مملوءة من الحقد والحسد والشر والفساد وعدم الإيمان بالله ورسوله، كيف يقدم مؤمن أو مسلم على جريمة عظيمة يترتب عليها ظلم كثير، وفساد عظيم وإزهاق نفوس، وجراحة آخرين بغير حق، قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّلَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، ويقول سبحانه وتعالى:{ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ }

والشريعة الغراء جاءت لحفظ الدماء، ورفض الإرهاب بكل صوره وأشكاله رفضًا قاطعًا لأنه عدوان، والله لا يحب المعتدين، ومن فضل الله –عز وجل- وعونه أن المملكة استطاعت خلال الفترة الماضية إدارة أزمة الإرهاب في معالجة مثل هذه المواقف بحزم ولن تخضع لابتزاز أي تنظيم أو جماعة إرهابية ممن يدعون تطبيقهم لشرع الله وهم يمارسون أبشع الجرائم بحق المجتمع وبحق الوطن ابتداء من جرائم القتل وزرع الفتنة والكراهية، فنهج المملكة واضح في الضرب بيد من حديد على كل من يروع أمن الآمنين.

ومن العظائم والفواقع استهداف هذه الفئة المجرمة المفسدة بيوت الله والمساجد ودور العبادة والمصلين بمثل هذه الاعمال الشنيعة فحق المساجد عمارتها وصيانتها وتجنيبها كل ما يخل برسالتها فضلا ان تجعل مكاناً للجرائم والموبقات وعدم مراعاة حرمة المكان والزمان وتعريض امن بلاد الحرمين الشريفين للعبث والفوضى وخرق وحدة شعبه بتصرفات تجسد الفرقة وتذكي الطائفية وتخالف ما سارت عليه هذه البلاد المباركة منذ عهد الامام المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن ال سعود -رحمه الله-.

ولا ريب أن بلادنا –حرسها الله- مستهدفة من قبل العصابات الإرهابية المجرمة والتي تسعى لتنفيذ أجندات أجنبية، تهدف لبث الفوضى وتدمير الوحدة الوطنية التي تنعم بها بلادنا –بحمد الله.

فهؤلاء الذين يقومون بالتفجير في أي مكان، ويتلفون الأنفس المعصومة، والأموال المحترمة –لمسلمين أو معاهدين- ويرملون النساء، وييتمون الأطفال، هم من الذين قال الله فيهم: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلََدُّ الْخِصَام ِوَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}

وقال تعالى:{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}

عملية جبانة تريد أن تشعل فتيل الفتنة الطائفية في بلادنا كما أُشعلت ولا تزال في العراق وسوريا فأكلت الأخضر واليابس.

ولكن لن يبلغوا مرادهم بإذن الله لأننا في وطن يأبى الظلم والعدوان بغير حق، سواء وقع الاعتداء على مسلم أو كافر وسواء وقع على سني أو غيره، نحن في بلد ينتصر للمظلوم ويأخذ له حقه ما دام له حق.

إن وجود الفرق المختلفة في المجتمع المسلم أمر كوني قدري وجد في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، فلما انحاز الخوارج إلى النهروان تركهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في حالهم ولم يبدأهم بقتال حتى قطعوا الطريق وسفكوا الدم الحرام وسعوا في الأرض بالفساد.

فكان البلد المسلم الواحد فيه المسلمون والكفار والسنة والشيعة وغيرهم من الفرق، فلم نجد علماء السنة أو ولاةَ أمورهم الصالحين يفتون أو يأمرون الناس بظلمهم أو البغيِ عليهم أو انتهاكِ حرماتهم أو الاعتداء عليهم، في الوقت الذي يحذّرون فيه منهم ومن بدعهم وضلالاتهم حتى لا يغتر بهم أهل الحق.

فهذا العدوان الذي وقع في القديح ليس من الإسلام في شيء ولا يرضى به سني يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله -صلى الله عليه وسلَّم-؛ وإنما هذه طريقة الخوارج كلاب النار الذين لا يَقَرُّ لهم قرار ولا يهدأ لهم بال حتى يسفكوا الدماء المعصومة، وهي أيضاً طريقة أصحاب المخططات الماكرة التي تكيد لنا ولبلادنا ولولاة أمورنا.

إنَّ ما يُعمل الآن من أعمال انتحارية إجرامية؛ إنَّما يعملـها ويخطط لها التكفيريون الخوارج؛ الذين ذَمَّهُم الرسول-صلى الله عليه وسلم-بقوله: ( يأتي في آخر الزمان قَوم حُدَثَاء الأسنان؛ سُفهاء الأحلام؛ يقولون مِن خير قَول البرية؛ يَمْرُقُونَ مِن الإسلام كما يمرق السهم مِن الرَّمِيَة؛ لا يُجاوز إيمانهم حَناجرُهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهــم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة ) وصَحَّ عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: ( شرُّ قتلى تحـت أديـم السماء )

فينبغي للجميع إلى أن يقفوا صفاً واحداً تجاه المفسدين القتلة مهما كانت جنسياتهم أو توجهاتهم، لأنهم يستهدفوننا في ديننا وأمننا ووطننا، ولن يعكر صفونا -بإذن الله- عبث عابث أو تحرش مجرم حقير.

نسأل الله أن يحفظ بلادنا من كل سوء، وأن يرد كيدا الكائدين في نحورهم ويمكن منهم، وأن يديم على بلادنا أمنها واستقرارها ويزيدها صلاحًا وإصلاحًا، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية