جوامع في النصح


بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي أمر بالتعاون على البر والتقوى والصلاة والسلام على الناصح الأمين قائد الغر المحجلين محمد بن عبد الله ﷺ

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا {

أما بعد…

فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:” بعثت بجوامع الكلم “. ومعنى جوامع الكلم هو: الكلام الذي لفظه قليل، ومعناه كثير.

ومن جوامع كلمه ﷺ ما أخرج مسلم عن أبي رقية تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال:” الدين النصيحة ” – وعند أبي دود: قالها ثلاثا – قال الصحابة: لمن؟ قال: ” لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم “

قال الإمام أبي داود السجستياني : ” إن مدار أحاديث الأحكام على خمسة حاديث، ومنها حديث:” الدين النصيحة ” “.

فهذا الحديث قد جمع الدين كله، قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-:” من معاني هذا حديث ” الدين النصيحة “: أي الدين هو الإخلاص”.

وقد ذكر النبي ﷺ أن النصح يكون لله ولكتابه الخ…فبدأ بقوله : ” لله”،

أما النصح لله فيقتضي: أن يعظم الله ويعرف قدره، وأعظم انتقاص لقدر الله ومنزلته الشرك؛ لأنه تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله .

لذا قال سبحانه في أواخر سورة يوسف {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }

أي: أنزه الله أن أكون من المشركين؛ لأن الشرك انتقاص لله سبحانه.

وصور الشرك كثيرة، ومما هو شائع بين كثير من المسلمين: الذبح لغير الله كالذبح للجن أو الأولياء والصالحين، ودعاء غير الله كطلب المدد من رسول الله ﷺ أو غيره من المخلوقين، والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى .

أما النصيحة لكتاب الله:

فهي تعظيم كتاب الله واتباعه قال سبحانه {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}

وأعظم النصح لكتاب الله أن نتخلق بأخلاقه، عن عائشة أنها سئلت عن أخلاق النبي فقالت: ” كان خلق نبي الله ﷺ القرآن ” أخرجه مسلم.

فنستجيب لأوامره، وننتهي عن نواهيه ، ولا نكون كما أخبر ابن مسعود عن بعض القراء الذين يهتمون بحسن الصوت دون الاهتمام بمعاني القرآن، قال ابن مسعود :” إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه. قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة. يبدون أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي. يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة. يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم. ” رواه مالك في الموطأ.

كم أولئك الذين يعتنون بحسن الصوت واللفظ مع بعدهم عن التخلق بأخلاق القرآن، وهم من أبعد الناس عن الاهتداء بهدي رسول الله ﷺ والقيام بدين الله، بل جعلوا القرآن حرفة يتكسبون منه، بل ويقيمون البدع بالقرآن .

اللهم اجعلنا من أهل القرآن، الذي يحفظون ألفاظه ويقومون به .

 

أما النصح لرسول الله ﷺ،

قال تعالى في محمد {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}

وإن من أعظم النصح لرسول الله ﷺ: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله .

لا يعبد الله بالبدع؛ سواء سميت بدعة حسنة، أو سيئة. وإنما يتعبد بطريقة رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام.

إن علامة الصادق في اتباع رسول الله: هو طاعة أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، وألا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله .

يا حسرتاه على أقوام قصروا في طاعة رسول الله وتصديقه، حتى قال بعض المنتسبين للإسلام – وللأسف يسمى داعية – لما ذكر له ما رواه البخاري عن الرسول ﷺ أنه قال: “إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه”: (آخذ بكلام الطبيب الكافر، ولا آخذ بكلام محمد بن عبدالله ).

إخوة الإيمان يجب أن نزن الناس في حب رسول الله باتباعه، وأن نحب الناس بقدر قيامهم بدين الله واتباع رسول الله ﷺ .

 

أما النصح لأئمة المسلمين:

المراد بأئمة المسلمين الأمراء كما ذكر هذا النووي وغيره.

ومقتضى النصح للأمراء أن يسمع ويطاع لهم في غير معصية الله، وأن نعتقد في أعناقنا بيعة لحكامنا ، فيجب على كل سعودي أن يعتقد أن في عنقه بيعة لملكنا خادم الحرمين -وفقه الله وجميع حكام المسلمين لما لرضاه – وهكذا يعتقد كل مسلم في عنقه بيعة لحاكمه المسلم.

يجب أن نسمع ونطيع لهم في غير معصية الله .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال :” ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية ” أخرجه مسلم

ومقتضى النصح لأئمة المسلمين: أن يدعى لهم، فإن في صلاحهم صلاح العباد والبلاد، حتى قال الفضيل: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها في السلطان . فسئل: ما سبب ذلك؟ قال : ” إن في صلاحه صلاح العباد والبلاد ” .

وينبغي أن يُجمع الناس على السلطان، وأن تبرز حسناته، حتى يجتمع الناس عليه، وهذا ليس لأجله وإنما لأجل الأمن والأمان، فباجتماع الناس على حكامهم يسود الأمن والأمان .

أما النصح لعامة المسلمين

إن النصح لعامة المسلمين: أن تفرح لفرحهم، وأن تحزن لحزنهم، وأن تدعو الله لهم بالخير، وترجو أن يقوموا بتحكيم كتاب الله ودينه في نفوسهم.

وأن تدعوهم إلى عبادة الله، من توحيده وترك كل ما يسخطه، وفعل كل ما يحبه سبحانه وتدعوهم إلى أن يكونوا على ما عليه السلف الصالح فيجتنبون البدع والضلالات ، وتذكرهم ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن تربية الأولاد دينيًا ودنيويًا ، وأن يقوموا بالقوامة على الزوجة والبنات فلا يهملوهم في حجابهم وتبرجهم واختلاطهم بالرجال .

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

إن من أعظم ما أرسل الرسل من أجله النصحَ للمسلمين ، قال نوح عليه السلام أول الرسل ({وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} وقال هود عليه السلام {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ }

فعلم هذا صحابة رسول الله حتى قال جرير بن عبد الله البجلي :” بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم” أخرجه الشيخان

فيجب على المسلمين أن يتعاونوا فمن كان ذا علم فليعلم جاهلهم، ومن كان ذال مال فليساعد فقيرهم، وليقم كل واحد منا بواجبه الديني، وليعلم الناصح أنه قد يجد من بعض المسلمين أذية سواء كان قولًا أو فعلًا، فإن وجد ذلك فليتذكر ما عليه الأنبياء والمرسلون، وأنهم صبروا وصابروا؛ لأنهم يريدون الله والدار الآخرة .

وأن يتذكروا ما أعد الله لهم من الجنان، وأن هؤلاء إخوانه، وهو مطالب بإظهار الحق لهم ولو سخطوا {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين .

اللهم اجعلنا ناصحين لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم، واحيينا على الكتاب والسنة، وتوفنا وأنت راض عنا .