جوامع في النصح


جوامع في النصح

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ,

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }

أما بعد…

فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” بعثت بجوامع الكلم “

ومعنى جوامع الكلم هو: الكلام الذي لفظه قليل، ومعناه كثير.

ومن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم ما أخرج مسلم عن أبي رقية تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” الدين النصيحة ” – وعند أبي دود: قالها ثلاثا -، قال الصحابة: لمن؟ قال: ” لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم “

قال الإمام أبي داود السجستياني : ” إن مدار أحاديث الأحكام على خمسة أحاديث، ومنها حديث:” الدين النصيحة ” “

فهذا الحديث قد جمع الدين كله، والدين كله يرجع إلى هذا الحديث، وقد ذكر أن الدين كله نصيحة .

قال الحافظ ابن حجر في شرحه على البخاري:” من معاني هذا حديث الدين النصيحة : أي الدين هو الإخلاص”.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن النصح يكون لله ولكتابه الخ…فبدأ بقوله : ” لله”،

والنصح لله يقتضي: أن يعظم الله ويعرف قدره، وأعظم انتقاص لقدر الله ومنزلته الشرك؛ لأنه تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله .

لذا قال سبحانه في أواخر سورة يوسف {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }

أي: أنزه الله أن أكون من المشركين؛ لأن الشرك انتقاص لله سبحانه.

وصور الشرك كثيرة، ومما هو شائع بين كثير من المسلمين: الذبح لغير الله كالذبح للجن أو الأولياء والصالحين، ودعاء غير الله كطلب المدد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من المخلوقين، والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى .

أما النصيحة لكتاب الله:

فهي تعظيم كتاب الله واتباعه قال سبحانه {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}

وأعظم النصح لكتاب الله أن نقوم أجمعون بكتاب الله سبحانه، وأن نتخلق بأخلاقه، عن عائشة أنها سئلت عن أخلاق النبي فقالت: ” كان خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم القرآن ” أخرجه مسلم.

فنستجيب لأوامره، وننتهي عن نواهيه ، ولا نكون كما أخبر ابن مسعود من القراء الذين يهتمون بحسن الصوت دون الاهتمام بمعاني القرآن، قال ابن مسعود :” إنك في زمان قليل قراؤه، كثير فقهاؤه، وسيأتي زمان , كثير قراؤه، قليل فقهاؤه، يحفظ فيه حروف القرآن , ويضيع حدوده، ” رواه مالك في الموطأ

كم أولئك الذين يعتنون بحسن الصوت واللفظ، وهم أبعد الناس عن التخلق بأخلاق القرآن، وأبعد الناس عن الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام بدين الله، بل ويتكسبون من القرآن، ويقيمون البدع بالقرآن .

اللهم اجعلنا من أهل القرآن، الذي يحفظون ألفاظه ويقومون بمعانيه .

ثم ذكر النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم،

قال تعالى في محمد {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}

وإن من أعظم النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله .

لا يعبد الله بالبدع؛ سواء سميت بدعة حسنة، أو سيئة. وإنما يتعبد بطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

إن علامة الصادق في اتباع رسول الله: هو طاعة أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، وألا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله .

يا حسرتاه على أقوام قصروا في طاعة رسول الله وتصديقه، حتى قال بعض المنتسبين للإسلام – وللأسف يسمى داعية – لما ذكر له حديث “إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه”: (آخذ بكلام الطبيب الكافر، ولا آخذ بكلام محمد بن عبدالله ). والعياذ بالله

إنه قد بلغ سوء الحال بالمسلمين مبلغاً عظيما إلى أن خرج بينهم من يشار إليه بأنه داعية، وهو يتلفظ بهذه الألفاظ، حتى إنه لما ذكر لأحدهم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن” أخرجه الشيخان، قال ( إن النبي صلى الله عليه وسلم بيهزر ( يعني يمزح )) أعوذ بالله .

هذا كلام رجل يسمى داعية، وهو يوسف القرضاوي .

والثاني يقول: فشل النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته في أكثر من عشرين موضعًا . أعوذ بالله وهو داعية يشار إليه بالبنان، إنه المدعو بعمرو بن خالد .

إخوة الإيمان يجب أن نزن الناس في حب رسول الله باتباعه، وأن نحب الناس بقدر قيامهم بدين الله واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم قال بعد ذلك :” والنصح لأئمة المسلمين”

إن العلماء على أن أئمة المسلمين في هذا الحديث: هم الأمراء كما ذكر هذا النووي وغيره.

ومقتضى النصح للأمراء أن يسمع ويطاع لهم في غير معصية الله، وأن نعتقد في أعناقنا بيعة لحكامنا ، فيجب على كل سعودي أن يعتقد أن في عنقه بيعة لملكنا خادم الحرمين -وفقه الله وجميع حكام المسلمين لما لرضاه – .

يجب أن نسمع ونطيع لهم في غير معصية الله .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية ” أخرجه مسلم

ومقتضى النصح لأئمة المسلمين: أن يدعى لهم، فإن في صلاحهم صلاح العباد والبلاد، حتى قال الفضيل: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها في السلطان . فسئل: ما سبب ذلك؟ قال : ” إن في صلاحه صلاح العباد والبلاد ” .

وينبغي أن يُجمع الناس على السلطان، وأن تكتم أخطاؤه وتبرز حسناته، حتى يجتمع الناس عليه، وهذا ليس لأجله وإنما لأجل الأمن والأمان، فباجتماع الناس على حكامهم يسود الأمن والأمان .

ثم ذكر بعد ذلك ” النصح لعامة المسلمين”

إن النصح لعامة المسلمين: أن تفرح لفرحهم، وأن تحزن لحزنهم، وأن تدعو الله لهم بالخير، وترجو أن يقوموا بتحكيم كتاب الله ودينه في نفوسهم.

وأن تدعوهم إلى عبادة الله، وأن يوحدوه ، وإلى ترك كل ما يسخطه، وأن يفعلوا كل ما يحبه سبحانه .

وتدعوهم أن يكونوا على ما عليه السلف الصالح .

وإن مقتضى النصح للمسلمين أن نتألم لحال إخواننا في سوريا و اليمن وغيرهم.

لأجل هذا لما قام دعاة السوء دعاة الثورة من الإخوان المسلمين والمتأثرين بهم بالدعوة إلى الثورات التي نتيجتها ما ترون في سوريا و ليبيا واليمن، إنه لما قام هؤلاء الدعاة بالدعوة إلى الثورات التي نتج عنها: انتهاك الأعراض، وسفك الدماء، وتشريد المسلمين وإضعافهم ، قام الناصحون من العلماء كالعلامة صالح الفوزان: بالتحذير من دعاة الفتنة، والتمسك بالكتاب والسنة، والتمسك بما أمر الله به من الصبر على جور الحاكم، لا لأجل الحاكم وإنما لأجل المسلمين أنفسهم، حتى لا يتفرقوا ويصبحوا في حال ضعف .

اللهم يا من لا إله إلا أنت يا رحمن يا رحيم يا حي يا قيوم ، اللهم الطف بإخواننا في سوريا، اللهم الطف بإخواننا في سوريا ، اللهم الطف بإخواننا في سوريا

اللهم عليك بحاكمهم المجرم، اللهم أزله وأبدلهم بخير منه، يا أرحمن الراحمين .

اللهم الطف بإخواننا في العراق، وبإخواننا في ليبيا و اليمن .

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

إن من أعظم ما أرسل الرسل من أجله النصح للمسلمين ، قال نوح عليه السلام أول الرسل ({وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}

وقال هود عليه السلام {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ }

فعلم هذا صحابة رسول الله حتى قال جرير بن عبد الله البجلي :” بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم” أخرجه الشيخان

فيجب على المسلمين أن يتعاونوا فمن كان ذا علم فليعلمهم، ومن كان ذال مال فليساعد فقيرهم، وليقم كل واحد منا بواجبه الديني، وليعلم الناصح أنه قد يجد من بعض المسلمين أذية سواء كانت قولًا أو فعلًا، فإن وجد ذلك فليتذكر ما عليه الأنبياء والمرسلون، وأنهم صبروا وصابروا؛ لأنهم يريدون الله والدار الآخرة .

وأن يتذكروا ما أعد الله لهم من الجنان، وأن هؤلاء إخوانه، وهو مطالب بإظهار الحق لهم ولو سخطوا {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين .

اللهم اجعلنا ناصحين لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم، واحيينا على الكتاب والسنة، وتوفنا وأنت راض عنا .