المجموعة (991)


يقول السائل: ما معنى عقيدة الولاء والبراء من الكفار؟ وكيف نجمع بينها وبين التعايش معهم؟

الجواب:
إن عقيدة الولاء والبراء هي محبة أهل الإيمان على قدر إيمانهم وبُغض الكافرين مطلقًا، وبُغض أهل البدع وأهل المعاصي على قدر معاصيهم، هذا ملخص عقيدة الولاء والبراء، وقد أكثر ربنا سبحانه الكلام على هذه العقيدة المباركة في كتابه وبيَّن ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بيانًا جليًا في سنته.

قال تعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ﴾ [المجادلة: 22] وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ [المائدة: 51].
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ﴾ [الممتحنة: 1] بالمودة: أي بالمحبة.

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرات في هذا المعنى، بل قد جعل ربنا إبراهيم -عليه السلام- أسوة لنا في هذا الباب فقال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4].

فتأملوا كيف جعل إبراهيم -عليه السلام- قدوة لنا في هذا وأن عادى قومه وأقرب الناس إليه لأنهم كافرون، بل وظهرت العداوة بينهم وعاداهم وعادى الكافرين ومعبوداتهم، ولم يكتف بمعادات المعبودات بل عادى الكافرين ومعبوداتهم، هذه هي عقيدة الولاء والبراء.

وبيَّن ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة منها ما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه».

إذا تبيَّنت الأدلة المتقدمة وتبيَّن معنى الولاء والبراء فينبغي أن يُعرف ما يلي:
الأمر الأول: أنه يجب على كل مسلم أن يُبغض الكافرين لأنهم كافرون، لأنهم أعداء لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لا يكفي أن المسلم يقوم بالتوحيد في نفسه بألا يعبد إلا الله أو بأن يصلي وأن يكون ذا أخلاق حسنة …إلخ وفي المقابل لا يُبغض الكافرين، كلا، فإن مقتضى الأخلاق الحسنة التي يحبها الله ورسوله أن يُفعل ما تقدم ذكره من التوحيد والصلاة وغير ذلك من الطاعات ومن الأخلاق الحسنة في التعامل مع أهل الإيمان، وفي المقابل أنه يجب أن يُبغض الكافرون لأنهم أعداء لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-.

لو كان رجلٌ عدوًا لأبيك أو لأقاربك لعاديته، فكيف وهو عدو لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-؟

الأمر الثاني: أن العداوة ليست خاصة بالكفارة الحربيين، بل هي عداوة عامة لكل كافر لذا قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ [المائدة: 51] والألف واللام لاستغراق الجنس أي كل اليهود وكل النصارى، فكل من كان يهوديًا أو نصرانيًا فإنه يُعادى.

الأمر الثالث: إجازة الشريعة محبة الأقارب من الكافرين أو محبة الزوجة الكافرة التي هي كتابية من يهودية أو نصرانية لا يُنافي عقيدة الولاء والبراء، فإن هذه المحبة هي محبة طبعية وعداء الكافرين هي عداء ديني، وقد يجتمع في الشيء الحب والبغض، كالدواء الكريه فإنه يُحب من جهة نفعه ويُكره من جهة طعمه.

وقد بيَّن هذا علماء الإسلام كما بيَّنه ابن كثير في تفسيره، وابن حجر في شرحه على البخاري، والشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه (تيسير العزيز الحميد)، وشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين في شرحه على كتاب التوحيد.

فإذن نحبهم من وجه لكن نُبغضهم من وجه آخر، وبعض الناس خلط بين الأمرين وبمجرد أن الشريعة أجازت حب القريب الكافر ألغى عقيدة الولاء والبراء مع هؤلاء الكفار، وهذا خطأ ومخالف لهذه العقيدة.

الأمر الرابع: ليس معنى بغضهم أن نظلمهم أو أن نعتدي عليهم أو أن نسفك دمائهم بغير حق، فإن هذا مما حرمته الشريعة، بل ثبت في البخاري من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».
بل نكون وسطًا في الباب، نُبغضهم لأنهم كفار لكن لا نظلمهم ولا نسفك دمائهم بما أنهم كفار غير حربيين، أما الكافر الحربي الذي قام الحرب فيه بين الإسلام والكفار فهذا له مبحث آخر وهو تحت مظلة ولي الأمر وله تأصيله.

الأمر الخامس: الدعوة للتعايش مع هؤلاء الكفار لفظة مجملة، لابد فيها من التفصيل، وينبغين أن يُعلم أن كثيرًا من أهل الباطل إذا أراد أن يُمرر باطله أتى بالألفاظ المجملة، كما قال الإمام أحمد في مقدمة رده على الزنادقة والجهمية لما تكلم عن أهل البدع قال: يعمدون إلى المتشابه من الكلام.

فالتعايش لفظ مجمل، إن كان يُراد به محبتهم فلا يجوز، وإن كان المراد بالتعايش مضاحكتهم وممازحتهم والأنس بهم وجعلهم أصدقاء فلا يجوز، وإن كان المراد بالتعايش أن نعتقد أن جميع الأديان توصل إلى الله، لهم طريقهم ولنا طريقنا، فهذا لا يجوز، وإن كان المراد بالتعايش عدم سفك دمائهم والتعامل معهم تعامل الدنيا بضوابطها الشرعية، فهذا جائز، فإذن لابد من التفصيل في مثل هذا.

الأمر السادس: أؤكد أن عقيدة البراء شاملة حتى لأهل البدع، كما بيَّن أهل السنة ذلك وكلامهم كثير في هجر أهل البدع، وليس هذا مقام بيانه.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.