المجموعة (961)


يقول السائل: ما نصيحتك لمن يرغب في التعدد؟

الجواب:
المراد بالتعدد: أي أن يتزوج أكثر من زوجة، وينبغي أن يُعلم أن التعدد جائز في شريعتنا كما قال سبحانه: ﴿ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: 3] وروى البخاري عن ابن عباس أنه قال: “تزوجوا فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً”.

ثم ينبغي أن يُعلم أن كُره المرأة للتعدد ليس كُفرًا ولا ذنبًا، فإنها لا تكره التعدد لأنه شريعة شرعه الله وأجازه وأباحه، وإنما تكرهه لأثره عليها، كما قال سبحانه: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216].

وقد رأيت بعضهم يُبالغ في إلزام المرأة بالرضى بالتعدد، وهذا خطأ، فإذا رضيت فهذا خير، لكن إذا لم ترض وكرهت التعدد لأثره عليها فليست آثمة ولا كافرة من باب أولى، وإنما قد يكره المسلم أمورًا شرعية لا لأن الله أمر بها وإنما لأثرها وضررها على نفسه ولكونها شاقة، ويُثاب إذا صبر واحتسب واستشعر أنها من الله وجاهد نفسه على ذلك.

وبعد هذا، الكلام على التعدد يطول، لكن أنصح من يرغب في التعدد أن يُراعي أمورًا:

الأمر الأول: إحسان النية، ينبغي لمن أراد التعدد أن يُحسن نيته في التعدد وغيره، فإنه كلما أحسن العبد نيته أُثيب أكثر، لذا قال زبيد اليامي: انوِ الخير في كل شيء حتى في دخولك للكنيف.
فينبغي أن ننوي بالتعدد نوايا طيبة حتى يُثاب العبد أكثر، منها إعفاف النفس وإعفاف المرأة والنفقة على الزوجة، ومنها قصد الأولاد الصالحين، ومنها تكثير أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى غير ذلك مما جاءت به الشريعة، فينبغي أن نُراعي النية في باب التعدد.

الأمر الثاني: العدل، فإن العدل واجب في الشرع، وقد فصَّلت هذا في جواب سابق في الأمور التي يجب العدل فيها، فإن الظلم محرم في الشريعة بل كبيرة من كبائر الذنوب، وقد قال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء: 129].
فإذن يجب العدل بين الزوجات، وما أكثر الرجال الذين يُفرطون في مثل هذا، وفي المقابل هناك من يجهل ويظن أن العدل مطلوب في أمور وهو ليس كذلك، وهناك من يُفرّط في العدل في أمور قد أمر الشرع بها، وقد بيَّن هذا أهل العلم، ولخصت ذلك في جواب في أحد أجوبة التليقرام، لكنني أؤكد كل التأكيد على العدل.

الأمر الثالث: الجدية في الحياة الزوجية وألا يكون عجلًا، فقد ذكر ابن حبان أن العرب كانت تسمي العجلة أم الندامات، فينبغي ألا يكون عجلًا في تعدده، فكثير من الرجال إذا عدد تعجَّل وطلق الثانية بأن يجد ضغطًا من الأولى، أو لا يجد ما كان يتمناه ويتخيله، فإن الشيطان حريص غاية الحرص على التفريق بين الزوجين، فقد لا يجد المتزوج في أول أمره ما يبتغيه من التعدد، ويُحاول الشيطان أن يُنغص عليه حياته حتى يُطلق الثانية، وبعضهم قد يجد في الثانية ما يريد ففي المقابل يُطلق الأولى، وهذا غلط، ينبغي للمُعدد أن يتقي الله وألا يعجل وأن يحرص على جمع الأزواج وأن يتقي الله فيهن، في الأولى التي سبقت بالعشرة وغالبًا ما تكون أم الأولاد، وفي الثانية التي رضيت به زوجًا، فينبغي أن يتقي الله في زوجاته.

الأمر الرابع: كثير من المُعددين يُهمل الأولى، ويدور مع رغبته حيث دارت، ومثل هذا وإن بدا في ظاهر الأمر أنه قد حصَّل مُراده لكنه قد أضر نفسه، ينبغي أن يكون الرجل عاقلًا وألا يُضيع المرأة الأولى، ولو عاب عليها أشياء لاسيما إذا كانت أم أولاده، ينبغي أن يحرص عليها وأن يُكمّل نقصها وأن يصبر على ما يأتيه منها، فإن بعض الناس إذا عدد قد يجد لذته في التعدد ثم يصبح ذوّاقًا يتنقّل من امرأة إلى امرأة، فيُضيع الأولى ولا يستمسك بالثانية، وإنما يتنقّل بين النساء، فما إن تذهب الأيام إلا وذهب عليه عمره وأضاع بيته وأولاده، فإذا احتاج إلى بيت وأولاد يقومون عليه لاسيما عند ضعفه وحاجته فإنه لا يجد ذلك لتفريطه.
وهذا أمر ينبغي أن يتنبّه إليه المُعددون وألا يُهملوا مثل هذا بحجج كثيرة ما بين واهية وضعيفة إلى غير ذلك.

أسأل الله أن يُؤلف بين المتزوجين وألا يجعل أعزب إلا وقد زوجه ولا أيم إلا وقد زوجه من الرجال والنساء، إنه أرحم الراحمين، أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.