المجموعة (957)


يقول السائل: ما رأيك فيمن يقول إن الأولى ألا يُقال “شيخ الإسلام” لأن هذا الاصطلاح لم يوجد في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا الصحابة -رضي الله عنهم- ولا التابعين، وأنه لم يُطلق على واحد فقط بل كل فئة تصف صاحبها بأنه شيخ الإسلام، والشيعة عندهم حجة الله، وحجة الإسلام.
فمن أين أتيتم بهذا؟ والأولى أن نقول: الإمام ابن تيمية، ولا نقول شيخ الإسلام.

الجواب:
إن قول القائل: “شيخ الإسلام” معناه: شيخٌ في الإسلام، فالإضافة هنا بمعنى “في” فإن الإضافة تأتي بمعانٍ ومنها تكون بمعنى “في”، كما قال الله عز وجل: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ [سبأ: 33] أي: مكرٌ في الليل والنهار، وكقول القائل: “عثمان شهيد الدار” أي: شهيد في الدار. وقد ذكر هذا ابن هشام -رحمه الله تعالى- في كتابه (شذور الذهب).

إذن قول القائل: “شيخ الإسلام” أي: شيخٌ في الإسلام، فالإطلاق من حيث الأصل صحيح، فإن كل عالم فهو شيخٌ في الإسلام، وقد أطلق هذا كثيرون، وقد روى اللالكائي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه أطلق على أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- بأنهما شيخا الإسلام، واستعمل هذا العلماء كما أطلق الذهبي على ابن المبارك أنه شيخ الإسلام، وأطلقه الذهبي على غيره، وأُطلقت على جمع من أهل العلم.

فإذن المعنى من حيث الأصل صحيح، وإنما اشتهر تخصيص هذا اللفظ لمن تميَّز وبرَعَ في علوم الشريعة، فيُقال له: “شيخ الإسلام” بهذا الاعتبار.

فإن قال قائل: إن هذا اللفظ لم يُطلقه النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا صحابته الكرام…إلخ؟
فالجواب من جهتين:
– الجهة الأولى: تقدم ما روى اللالكائي.
– الجهة الثانية: هذه الإطلاقات عُرفية وليست أمورًا تعبدية بحيث لابد أن يُرجع فيها إلى النص أو أن يكون الأصل فيها الحظر، بل هي ألفاظ عرفية تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان.

فإن قال قائل: إن هناك من استعمل هذا اللفظ على غير وجهه الصحيح، فكلٌ يسمي صاحبه ومن يُعظمه بشيخ الإسلام؟
فالجواب: الخطأ في استعمال هذا اللفظ لا يلزم منه تخطئة اللفظ، وإلا لقيل: حتى لفظ “عالم، وعابد” وهما لفظان صحيحان وقد جاء بها الكتاب والسنة من حيث أصلها واستعمالها واشتقاقها، ثم توارد على هذا الصحابة ومن بعدهم، فإطلاق لفظ “عالم” و”عابد” قد يُطلق على من ليس عالمًا وقد يُطلق على من ليس عابدًا، ومثل ذلك لفظ “صالح”… إلخ.

فلذلك الخطأ في استعمال ذلك لا يرجع على اللفظ بالتخطئة، فإن أُطلق شيخ الإسلام على من ليس أهلًا لذلك، فيُبيَّن مع عدم إنكار اللفظ نفسه، وأؤكد أن الإضافة بمعنى “في” فإطلاق هذا اللفظ لا شيء فيه وإن كان هناك من استعمله استعمالًا خطأ كما اشتهر على الدولة العثمانية أنها جعلت منصب شيخ الإسلام، وممن تقلد هذا المنصب الجهمي الجلد زاهد الكوثري، لكن استعمال هذا اللفظ خطأً لا يرجع على اللفظ من حيث الأصل والتأصيل بالتخطئة -والله أعلم-.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.